الغرور البريطاني الذي صنع أميركا

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

بعد مئتين وخمسين عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، تبدو الحكاية، من زاوية ساخرة قليلاً، كأنها بدأت بسوء تقدير بريطاني، وتفاقمت بسبب شحنة شاي، ثم انتهت بولادة دولة ستصبح لاحقاً أقوى دولة في العالم.

وربما لو كان في لندن آنذاك موظف أكثر مرونة، أو وزير أقل غروراً، أو برلمان أكثر قدرة على فهم غضب المستعمرات، لتأخرت ولادة أميركا، أو جاءت بطريقة مختلفة. لكن التاريخ، كما نعرف، لا يحب السيناريوات الهادئة دائماً.

القصة في أصلها ليست عن الشاي وحده، رغم أن الشاي منحها صورتها المسرحية الشهيرة. كانت بريطانيا قد خرجت من حرب السنوات السبع مثقلة بالديون، ورأت أن المستعمرات البريطانية في أميركا الشمالية، التي استفادت من الحماية العسكرية البريطانية، يجب أن تشارك في دفع الفاتورة. من وجهة نظر لندن، ألا يذكرنا ذلك بكلام نسمعه اليوم؟!

كان الأمر يبدو منطقياً من وجهة النظر البريطانية؛ الإمبراطورية أنفقت، والمستعمرات عليها أن تدفع. لكن من وجهة نظر سكان المستعمرات، كان الأمر مختلفاً تماماً. فهم لم يكونوا ممثلين في البرلمان البريطاني، ولم يكن لهم صوت حقيقي في القرارات التي تُفرض عليهم من وراء المحيط.

من هنا خرج الشعار الذي سيصبح لاحقاً عنواناً للتمرد الأميركي: "لا ضرائب بلا تمثيل". كان شعاراً بسيطاً، لكنه حمل داخله فلسفة سياسية كاملة. فالمشكلة لم تكن فقط في قيمة الضريبة، بل في مبدأ السلطة ذاتها. هل يحق لحكومة بعيدة، لا ينتخبها سكان المستعمرات ولا يمثلهم برلمانها، أن تفرض عليهم ما تشاء؟ هنا تحولت الضريبة من مسألة مالية إلى قضية كرامة سياسية.

بدأت بريطانيا بفرض ضرائب متتابعة، من قانون الطوابع إلى الضرائب على بعض السلع، ثم جاء قانون الشاي. والمفارقة أن الشاي، هذا المشروب البريطاني الهادئ الذي يفترض أن يرافق جلسات المجاملة والحديث المهذب، صار واحداً من أكثر الرموز ثورية في التاريخ الحديث. فقد منحت الحكومة البريطانية شركة الهند الشرقية امتيازات خاصة لتصريف الشاي في المستعمرات، مع الإبقاء على الضريبة. بدا الأمر وكأنه محاولة ذكية لإنقاذ شركة تجارية كبرى وجمع الإيرادات في الوقت نفسه، لكنه بدا للمستعمرين محاولة جديدة لفرض السيادة عليهم وإجبارهم على قبول مبدأ الضريبة.

وفي كانون الأول/ديسمبر 1773، وقع المشهد الأشهر: "حفلة شاي بوسطن". الإسم يبدو بريئاً، وربما يوحي لمن يسمعه للمرة الأولى بسهرة أنيقة، طاولات مرتبة، أكواب خزفية، وابتسامات بريطانية باردة. لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً. صعد عدد من المحتجين إلى سفن بريطانية راسية في ميناء بوسطن، وألقوا مئات الصناديق من الشاي في البحر. لم يكن الشاي يُشرب، بل كان يُغرق. ولم تكن الحفلة اجتماعية، بل سياسية بامتياز. كانت رسالة خشنة وواضحة، لن نقبل أن نشرب الخضوع ممزوجاً بالسكر.

هنا ارتكبت بريطانيا الخطأ الأكبر. بدل أن تقرأ الغضب وتبحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع، قررت الرد بالعقاب. أغلقت ميناء بوسطن، وفرضت إجراءات قاسية عُرفت في المستعمرات باسم "القوانين التي لا تُحتمل". أرادت لندن أن تؤدب بوسطن، فإذا بها توحد المستعمرات. أرادت أن تعاقب مدينة، فإذا بها تساعد في صناعة أمة.

وهذه واحدة من مفارقات التاريخ المتكررة، السلطة حين تبالغ في الرد تصنع خصمها. كثير من الناس لم يكونوا بالضرورة دعاة استقلال منذ البداية. بعضهم كان يريد حقوقاً داخل الإمبراطورية لا خروجاً عليها. لكن العناد البريطاني، والإصرار على التعامل مع المستعمرات كأطراف تابعة لا كشركاء لهم مصالح وحقوق، دفعا المترددين نحو التمرد. وتحول الموقف من التساؤل حول دفع الضريبة أم لا، إلى هل نبقى تابعين أم نصبح أحراراً؟

في عام 1776، أعلن الأميركيون استقلالهم. ومن رحم خلاف على الضرائب والشاي والتمثيل السياسي وُلدت دولة جديدة. واللافت أن هذه الدولة، التي بدأت ثورتها ضد سلطة إمبراطورية بعيدة، ستصبح لاحقاً هي نفسها قوة عالمية كبرى، لها قواعد عسكرية، وتحالفات، وضغوط، وعقوبات، وضرائب من نوع آخر يدفعها العالم بطرق مباشرة وغير مباشرة.

الإنكليز عبر تاريخ طويل ومتنوع، تسببوا في عدد لا بأس به من مشكلات العالم، رسموا حدوداً عجيبة، ورحلوا عن مستعمرات وتركوا وراءهم ألغاماً سياسية، وأداروا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس لكنها تركت في أماكن كثيرة ظلالاً طويلة. غير أن أكبر ما تسببوا به، ربما، كان الولايات المتحدة نفسها. فمن سوء إدارة ملف الضرائب، ومن العناد الإمبراطوري، ومن صناديق شاي غرقت في ميناء بوسطن، خرجت أميركا التي ستقود العالم، وتربكه، وتلهمه، وتقلقه، في الوقت نفسه.

وفي زمن دونالد ترامب، يصبح المشهد أكثر إغراءً. قد ينظر البريطاني المعاصر إلى المشهد الأميركي، إلى صخب السياسة، والانقسامات، والخطب الحادة، والشعبوية الصاعدة، ويتساءل في سره، هل نحن من بدأ كل هذا حقاً؟

الثورات لا تبدأ دائماً من القضايا الكبرى كما نقرأها لاحقاً في الكتب، بل تبدأ أحياناً من تفصيلة يومية تكشف خللاً عميقاً. ضريبة الشاي لم تكن مجرد ضريبة، بل كانت رمزاً لعلاقة مختلة بين سلطة لا تسمع ومجتمع بدأ يشعر بذاته. وحين يتحول الرمز إلى غضب، والغضب إلى تنظيم، والتنظيم إلى فكرة، تصبح الإمبراطوريات أضعف مما تبدو.

هكذا لم تصنع أميركا البنادق وحدها، ولا الآباء المؤسسون وحدهم، ولا الفلاسفة الذين كتبوا عن الحرية والحقوق وحدهم. صنعتها أيضاً أخطاء الخصوم. صنعتها بريطانيا حين ظنت أن الإمبراطورية تستطيع أن تحكم بالجباية دون تمثيل، وبالأوامر دون إنصات، وبالعقاب دون فهم.

بعد مئتين وخمسين عاماً، لا تزال القصة صالحة للتأمل والابتسام معاً. فقد بدأت الأزمة بسؤال بسيط، من يدفع ثمن الشاي؟ وانتهت بسؤال أكبر، من يملك حق الحكم؟ وبين السؤالين، سقطت صناديق في البحر، وارتفعت دولة من الماء، لتغير وجه العالم.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية