العملات المشفرة مصرف بديل للبنانيين... و"مصرف لبنان" يستعد لتنظيم القطاع

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

هل خرجت العملات المشفرة من كونها مجرد وسيلة استثمار عالية المخاطر لتصبح جزءا من منظومة الاقتصاد العالمي، بل وحتى من أدوات الصراع الجيوسياسي؟

 

سؤال فرض نفسه بقوة بعد تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" كشف أن قيمة تعاملات الدول الخاضعة للعقوبات الغربية بالعملات المشفرة بلغت نحو 100 مليار دولار خلال عام 2025، أي ما يعادل 8 أضعاف حجم المعاملات المسجلة في عام 2024، بحسب بيانات استندت إلى شركات متخصصة في تتبع تدفقات العملات الرقمية.

 

 

يعمل مصرف لبنان على إعداد أول إطار تنظيمي لهذا القطاع

 

إزاء هذا التوسع العالمي، يبدو لبنان أمام واقع مختلف، لكنه لا يقلّ تعقيدا. فالعملات المشفرة تُتداول بالفعل داخل البلاد، رغم استمرار الحظر الرسمي، فيما يعترف المعنيون بأن النشاط قائم خارج المنظومة المالية الخاضعة للرقابة.

 

ويعمل مصرف لبنان على إعداد أول إطار تنظيمي لهذا القطاع بالتنسيق مع البنك الدولي وفرنسا والولايات المتحدة ودول أخرى. وسيصدر مصرف لبنان تعميما خلال هذه السنة ينظم عمل القطاع للمرة الأولى، بحيث تصبح أيّ جهة راغبة في تقديم خدمات مرتبطة بالعملات المشفرة ملزمة الحصول على ترخيص من مصرف لبنان وفق شروط صارمة.

 

يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على الدول لتشديد الرقابة على الأصول الرقمية، ليس فقط بسبب المخاطر المالية، بل أيضا نتيجة استخدامها في الالتفاف على العقوبات الدولية، وتمويل أنشطة غير مشروعة، وتبييض الأموال، إلى جانب استخدامها بصورة متزايدة في التجارة والتحويلات العابرة للحدود.

 

ويؤكد المسؤولون أن حجم التداول لا يمكن تقديره بدقة، لكنه "ليس ضئيلا"، والأجهزة المختصة تتابع الجهات التي تنشط في هذا المجال، فيما يهدف التنظيم المرتقب إلى إخضاع العمليات للرقابة بدلا من بقائها خارج الإطار القانوني.

 

تعامُل مع منصات أجنبية 

في سياق آخر، تؤكد مصادر  مصرف لبنان أن مشروع "الليرة الرقمية" الذي كان مطروحا سابقا يختلف تماما عن العملات المشفرة، لكونه عملة رقمية يصدرها المصرف المركزي، فيما الأولوية اليوم تبقى لاستعادة الثقة بالعملة الوطنية قبل الانتقال إلى مشاريع من هذا النوع.

 

من جهتها، تؤكد مصادر هيئة الأسواق المالية أن الشركات المالية المرخصة في لبنان لا تتعامل بالعملات المشفرة، لأن القانون الحالي لا يسمح بذلك.

 

وتوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في أن معظم اللبنانيين الذين يتداولون العملات الرقمية يتعاملون مباشرة مع منصات أجنبية، أبرزها منصة "باينانس" وغيرها، ما يجعل عمليات الرقابة المحلية شبه مستحيلة، خصوصا أن السلطات اللبنانية لا تملك صلاحية الوصول إلى بيانات هذه المنصات أو معرفة هوية المستخدمين. وتاليا، فإن أيّ تنظيم مستقبلي يفترض أن يفرض نظام ترخيص واضحا، يسمح بإخضاع الشركات العاملة في هذا المجال لرقابة السلطات المختصة وتطبيق إجراءات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب".

 

 

لماذا ازدهرت العملات المشفرة؟

يربط الخبير في التحول الرقمي رودي شوشاني توسع استخدام العملات المشفرة في لبنان بالأزمة المالية التي بدأت عام 2019، بعدما فقد اللبنانيون القدرة على الوصول إلى ودائعهم المصرفية، وأصبحت التحويلات التقليدية أكثر تعقيدا وكلفة.

 

ويشير إلى أن غياب الثقة بالمصارف التقليدية وقنوات التحويل المعتادة دفع بلبنان إلى المرتبة الثانية في منطقة الشرق الأوسط من حيث حجم تداول العملات المشفرة (Crypto). هذا الصعود الصاروخي لم يعد مجرد مضاربة استثمارية، بل تحول إلى "نظام مصرفي موازٍ" يعتمد عليه المغتربون لإرسال الحوالات ودعم عائلاتهم، والتجار لتسيير أعمالهم.

 

وفي مقارنة تقنية، يوضح شوشاني الفجوة الكبيرة بين النظامين البيروقراطي والرقمي، ويلفت إلى أن الحوالة المصرفية التقليدية للخارج قد تستغرق ما بين 5 إلى 10 أيام لتصل إلى وجهتها (كـ الولايات المتحدة مثلا)، في حين تتيح تكنولوجيا البلوكشين إتمام العملية نفسها في ثوان معدودة وبنقرة واحدة، وهو ما يفسر التبني الشعبي السريع لها.

 

وينبه شوشاني إلى أن "هذا التحول المتسارع لا يخلو من المخاطر الجسيمة بسبب غياب الأطر التنظيمية والحوكمة الرقمية"، مشيرا إلى أن "السوق باتت بيئة خصبة لعمليات النصب والاحتيال الرقمي التي استنزفت ما يفوق الـ 100 مليون دولار بين عامي 2022 و2023، فضلا عن استغلال هذه القنوات الرمادية من شبكات صيرفة غير شرعية لتسييل أموال مشبوهة أو تمرير تمويلات لجهات محظورة سياسيا".

 

وفي ما يخص محاولات الضبط والرقابة، يبيّن أن الإجراءات الأمنية السابقة التي قضت بتوقيف بعض أصحاب الشركات لفرض آليات التثبت من الهوية (KYC) نجحت جزئيا، لكن القطاع الممتد من الصرافين غير الشرعيين وصولا إلى محال الهواتف المحمولة التي تحولت إلى نقاط تداول، لا يزال يلتف على هذه الشروط مستفيدا من مرونة التكنولوجيا التي تجعل تتبع وجهة الأموال أو إغلاق هذا السوق أمرا شبه مستحيل.

 

ويختم شوشاني: "العملات الرقمية في بيئة الأزمات هي تكنولوجيا أمر واقع، والتقنين الآتي لن يلغيها لأنها عصية على الإيقاف. التحدي الحقيقي اليوم أمام صانعي القرار هو الابتكار في إيجاد حوكمة رقمية ذكية ورشيقة تحمي المدخرين والشباب، من دون أن تخنق الحلول المالية البديلة التي تبقي الاقتصاد على قيد الحياة".

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية