العلويّون ومواجهة التّسطيح الرّقميّ: خطيئة "الفقه الواحد" وتسييس الهويّات

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الشّيخ د. شادي عبده مرعيّ

 

 

 

يعيش مشرقنا العربيّ مفترق طرقٍ اتّصاليّاً وقيميّاً خطيراً، تتداخل فيه أدوات التّكنولوجيا مع رواسب الصّراعات الغابرة لتوظيفها غبّ الطّلب في تسييس الهويّات وشيطنة المكوّنات الأصيلة للمنطقة. وعليه، إنّ حماية الوعي المجتمعيّ تستدعي مراجعةً نقديّةً حازمةً لكيفيّة تعاطي الإعلام المعاصر مع الموروث الفكريّ والعرفانيّ، وتحديداً في ظلّ غياب الضّوابط الأخلاقيّة والمهنيّة لصنّاع المحتوى. ولعلّنا اليوم أمام خطيئةٍ فكريّةٍ مكتملة الأركان؛ في زمن التّنافس المحموم على الشّاشات والمساحات الرّقميّة، حيث تحوّلت المنصّات الافتراضيّة من فضاءات التّواصل إلى ساحاتٍ للاستثمار المعرفيّ المشوّه يعاد فيها تشكيل الهويّات الفكريّة والدّينيّة وتأطيرها ضمن قوالب استهلاكيّةٍ عابرةٍ. 
إنّ التّحدّي الأكبر الّذي يواجه الفكر الإسلاميّ المعاصر اليوم ليس في تعدّد القراءات، بل في النّزوع المتزايد نحو تفريغ المضامين الفلسفيّة والرّوحيّة العميقة من جوهرها المعرفيّ وسياقها التّاريخيّ لحساب صناعة "التّرند". من هنا... لا تكمن خطورة هذا النّهج في الإساءة الى مكوّنٍ روحيٍّ أصيلٍ في المنطقة فحسب، بل في "تسليع الدّين" وسلق القضايا الفلسفيّة المعقّدة في مقاطع مجتزأةٍ لا تتجاوز دّقيقتين، تلهث خلف خوارزميّات المشاهدة. وهنا تجب الإشارة إلى أنّ محاكمة إرثٍ فكريٍّ وعرفانيٍّ وعلم كلامٍ إسلاميٍّ بأدوات "فقه الظّاهر الحرفيّ" السّطحيّ هي خطيئة معرفيّةٌ كبرى وإفلاسٌ قيميٌّ .
وتصوّروا معي أن يحدث العكس: أن يحاكم إرثٌ سلفيٌّ بأدواتٍ فقهيّةٍ أشعريّةٍ، أو معتزليّةٍ، أو إماميّةٍ، أو صوفيّةٍ وحجى باطنيّةٍ؟ كيف سيكون المشهد لو جئنا بنصوص مدرسةٍ فقهيّةٍ تعتمد الجمود على الظّاهر والحرف، وحاكمناها بمنهج التّأويل المعتزليّ القائم على تقديم العقل، أو بالتّنزيه الأشعريّ القاطع للصّفات، أو بالرّموز الإشاريّة والذّوقيّة عند الصّوفيّة، أو بمناهج الكشف والتّجريد والتّرقّي الرّوحيّ الدّقيق في المدرسة الباطنيّة العرفانيّة؟ بالتّأكيد ستسقط تلك النّصوص السّلفيّة في فخّ "التّجسيم والتّشبيه البشريّ" المرفوض معرفيّاً، وستبدو متناقضةً تماماً مع بديهيّات التّنزيه، بل خارجة عن سياق المنطق العقليّ. إنّ هذا التّوسّع المعرفيّ يكشف كيف أنّ إقحام منهجٍ حسّيٍّ مادّيٍّ لمحاكمة فضاءٍ وجدانيٍّ باطنيٍّ يختلف عنه كلّيّاً في الأصول وأدوات والغايات هو ذروة التّجهيل والتّسطيح، فالقراءة الباطنيّة تبحث عن اللّبّ والجوهر خلف قشرة اللّفظ، بينما الجمود الحرفيّ يقتل روح النّصّ ويسجنه في قوالب مادّيّةٍ جافّةٍ.
تاريخيّاً ومعرفيّاً، لطالما تميّز المذهب العلويّ بطابعه الرّوحيّ العرفانيّ، وقبل قرنٍ من الزّمن، حسم عضو المجمع العلميّ العربيّ بدمشق، العلّامة الشّيخ سليمان الأحمد، هذا الجدال في رسالته الشّهيرة للمؤرّخ محمّد كرد علي، مؤكّداً بوضوحٍ أنّ المذهب العلويّ في أصله الفقهيّ لا يختلف عن الإماميّة الجعفريّة، مضيفاً: "إنّما لهم طريقةٌ كالنّقشبنديّة والرّفاعيّة وغيرها من الطّرق الصّوفيّة بالنّسبة لأهل السّنّة، وهذا مصدر التّقوّلات الباطلة عليهم، وما أُبرِّئُ جهلتهم من كلّ ما يقال". 
هذا الطّابع الصّوفيّ العرفانيّ هو إرث فلسفيّ إسلاميّ مشترك يعجّ به تراث الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ وابن الفارض وصدر الدّين الشّيرازيّ؛ فالرّمز في الفكر الباطنيّ ليس عقيدةً منفصلةً، بل هو "لغة إشارةٍ" تهدف لحماية المعاني الرّوحيّة من الفهم العامّيّ السّطحيّ، وهذا ما يعبّر عنه العارف الأمير المكزون السّنجاريّ في ديوانه قائلاً: 
(علم التّصوّف ليس يدرك بالإشارة والعبارة 
إلّا بقلبٍ مخلصٍ بالرّوح ملقيها أمارة).
أمّا معضلة "التّجلّي والصّورة" فإنّ العلويّة بريئة من اتّهامات التّجسيد والحلوليّة؛ إذ تقوم على التّنزيه المطلق والكامل للذّات الإلهيّة، والتّجلّي في عرفهم هو ظهور نور الله وقدرته وصفاته في صفوة خلقه من الأنبياء والأوصياء المعصومين (كالأمر في مرآةٍ صافيّةٍ تعكس ضوء الشّمس دون أن تحلّ الشّمس فيها). وهنا تتبّدى عبقريّة المكزون السّنجاريّ في قوله حاسماً جدليّة المظهر والجوهر: (قال: اختفى. قلتُ: بدا. قال: بدا. قلت: اختمرْ). كما إنّ هذه المسائل الكلاميّة، ومثلها قضايا تكامل الرّوح والأكوار (الّتي تطرح اليوم بسخريّةٍ وتجهيلٍ تحت مسمّى التّناسخ الهنديّ)، هي مقامات ذوقيّة وفلسفيّة غايتها إثبات العدالة الإلهيّة المطلقة وتنزيه الخالق؛ إذ يرى العرفانيّون أنّ الرّوح الإنسانيّة قد تمرّ بمحطّاتٍ معرفيّةٍ وتكليفيّةٍ متعدّدةٍ لتتطهّر من ذنوبها وترتقي في مراتب اليقين والوعي والعبادة حتّى تصل إلى بارئها نقيّةً مستحقّةً للقرب الإلهيّ، مستشهدين بتأويلاتٍ واجتهاداتٍ ذاتيّةٍ، ويصدق في ذلك كلّه قول المكزون حاسماً الجدال مع أهل الظّاهر السّطحيّين: 
(هيهات أن يفهمني غير فتًى 
حجّ كحجّي وبعمرتي اعتمرْ).
من جهةٍ أخرى، فإنّ محاولة شيطنة طائفةٍ كاملةٍ عبر ربطها بملفّاتٍ سياسيّةٍ معيّنةٍ أو تحميلها مسؤوليّة حوادث تاريخيّةٍ وعسكريّةٍ هي طائفيّة مبطّنة وإفلاس وطنيّ. فالطّائفة العلويّة، كغيرها من مكوّنات المنطقة، كانت تاريخيّاً ضحيّةً للحروب والصّراعات والديكتاتوريّات، ودفع أبناؤها أثماناً باهظةً من دمائهم وعاشوا الفقر والتّهميش والظّلم التّاريخيّ. فالمظلوميّة شملت الجميع من دون استثناءٍ. والأولى بالبرامج الإعلاميّة الدّعوة إلى مواطنةٍ حقيقيّةٍ ودولةٍ مدنيّةٍ تحمي الجميع بدلاً من نكء الجراح وتجهيل المجتمع والمخاطرة بالسّلم الأهليّ.
تفكيك الرّواسب التّاريخيّة: لا للتّوظيف السّياسيّ:
ولا يفوتنا التّأكيد هنا على أنّ الغرض البنيويّ من استدعاء هذه الفتن التّاريخيّة ليس إِثَارَة النَّعَرَاتِ، ولا إيقاظ الضّغائن الرّاقدة، بل الهدف التّحليليّ والمعرفيّ هو التّبيان القاطع أنّ ظواهر اللّعن والتّراشق الطّائفيّ المنتشرة اليوم بين الفرق الدّينيّة في المشرق العربيّ ليست وليدة اللّحظة الرّاهنة ونتاج الفضاء المعاصر، بل هي إرث ثقيل، ورواسب صراعاتٍ غابرةٍ، يجري استغلالها بشكل ممنهج وتأجيج نيرانها غبّ الطّلب كلّما أراد النّفعيّون وصنّاع الفتن توظيفها لخدمة مآربهم الآنيّة.

صياغة الحلّ الجذريّ: إعادة السّجال إلى المحاضن الأكاديميّة:
يعود هذا الاختلاف الفكريّ والمفهوميّ هنا؛ إلى مساره المستور والمحجوب، بأن يصاغ الحلّ الجذريّ داخل أروقة الجامعات والمراكز الأكاديميّة المتخصّصة فقط، محتجباً بالكامل عن العامّة وغوغائيّة فضاء الافتراضيّ، ومسيّجاً فقط بالمناظرات الخاصّة بحلقات الدّرس الرّصينة، ليبقى أسير النقاش العلميّ الهادئ والهادف بأصول النّقاش العلميّ المنضبطة. وبذلك، تتلاقح الأفكار وتتشابك النّظريّات في بيئةٍ أكاديميّةٍ نقيّةٍ، بعيداً من استدعاء أدوات السّلطة التّنفيذيّة أو استجلاب غوغائيّة الشّارع للفصل في معضلاتٍ علميّةٍ؛ ممّا يقطع الطّريق على ممارسات الملاحقة والتّضييق، والسّبّ والقذف، أو هتافات التّنابذ والتّقاذف بحجارة التّعصّب الطّائفيّ الّتي سادت 
كواليس العصور الشّعبيّة الغابرة . فليس من شأن القوّة القهريّة الرّسميّة كانت أم شعبيّةً الفصل في قضايا الخلاف العلميّ والمعرفيّ، وإيقاع العقاب والفرز الطّائفيّ ما لا يدخل في نطاق اختصاص العامّة، أو ممارسة تعقّب المخالفين فكريّاً والمادّيّ والمعنويّ عليهم.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية