العلم الزائف

لماذا أصبحنا نحب العلم الزائف؟

على مدى عقود، بُنيت الثقة في الطب ببطء، من خلال التجارب السريرية، والنقاش العلمي، والانتصارات الكبرى للصحة العامة. فقد ساهمت اللقاحات في القضاء على أمراض قاتلة، وحوّلت المضادات الحيوية العدوى المميتة إلى حالات قابلة للعلاج، كما أدت التطورات في الجراحة وعلاج السرطان والسكري إلى إطالة متوسط العمر المتوقع في كثير من دول العالم.

ومع ذلك، أصبح ملايين الأشخاص اليوم يضعون ثقتهم، ليس في الأطباء أو الجامعات أو المؤسسات العلمية، بل في مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، ورواد «الصحة»، والأشخاص الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم «كاشفي الحقيقة التي يخفيها الأطباء والعلماء»، ويعدون الناس بعلاجات مخفية ومعارف ممنوعة.

رجل يصور مقاطع فيديو من مطبخه يدّعي أن السرطان يمكن تجويعه والقضاء عليه عبر النظام الغذائي فقط. وآخر يصرّ على أن الطب الحديث ليس سوى مؤامرة هدفها إبقاء الناس مرضى. ومؤثر في عالم اللياقة يحذر متابعيه من أن واقي الشمس سام، أو أن الخضروات مؤذية، أو أن أكل الأعضاء الحيوانية النيئة يعيد الصحة الفطرية للإنسان. للأسف، هذه الخزعبلات يشاهدها، ويشاركها، ويصدقها الملايين.

لم تعد هذه الظاهرة محصورة في أطراف الإنترنت أو في دوائر هامشية. لقد تحولت إلى صناعة عالمية بمليارات الدولارات، تغذيها الخوارزميات، والخوف، وفقدان الثقة، والجاذبية الساحرة للإجابات البسيطة عن المشكلات المعقدة. في قلب العلوم الزائفة الحديثة تكمن قوة واحدة شديدة الإغراء: اليقين. فالعلم الحقيقي غالباً ما يكون مزعجاً في حذَرِهِ. الباحثون يتحدثون بلغة الاحتمالات والقيود ونسب الثقة. التوصيات الطبية تتغير مع ظهور أدلة جديدة. العلماء يختلفون، ويراجعون أفكارهم، وأحياناً يعترفون بخطئهم. وهذا ليس ضعفاً، بل هو تحديداً ما يجعل العلم يتقدم. لكن على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يحقق التردد العلمي انتشاراً كبيراً. فالخوارزميات تكافئ الثقة المطلقة، والغضب، والسرد العاطفي. ومن الصعب على شرح علمي متوازن عن الاستقلاب أو المناعة أن ينافس مؤثراً كاريزمياً يصرخ بأن سماً خفياً واحداً هو سبب جميع الأمراض المزمنة. البساطة تنتشر أسرع من التعقيد لان عقل الانسان، خاصة العامي، يحب التبسيط.

الحقيقة أن جسم الإنسان شديد التعقيد. أمراض مثل السمنة، والسكري، والسرطان، والاكتئاب، تنتج عن تفاعلات معقدة بين الجينات، والبيئة، والسلوك، والظروف الاجتماعية، وعوامل بيولوجية متعددة. ومع ذلك، يختزل كثير من مؤثري الصحة هذه الأمراض في أعداء بسيطة مثل السكر،أوالزيوت النباتية، أوالسموم، أوالالتهابات، Bوالطفيليات، أو حموضة الجسم.

وجاذبية هذه التفسيرات مفهومة نفسياً؛ فالإجابات البسيطة تمنح الإنسان شعوراً بالراحة والسيطرة، وتوهمه بأن الصحة يمكن التحكم فيها بالكامل إذا اتبع فقط النظام الصحيح.

ويلعب الخوف دوراً محورياً في نجاح صناعة الصحة. فالخوف يبيع المكملات الغذائية. والخوف يبيع برامج الديتوكس. والخوف يبيع الدورات التدريبية، والاختبارات المكلفة، والأنظمة الغذائية المعجزة. يعتمد اقتصاد الصحة الحديث إلى حد كبير على إقناع الناس بأنهم يتعرضون يومياً للتسمم عبر الطعام، أو الماء، أو التكنولوجيا، أو حتى الحياة الحديثة نفسها.

وفي هذا العالم، تتحول التجارب الطبيعية إلى أمراض. فالإرهاق يصبح إنهاكاً للغدة الكظرية، والانتفاخ يصبح دليلاً على السموم، وتقلبات المزاج الطبيعية تتحول إلى علامات على خلل خفي يحتاج إلى منتجات وعلاجات خاصة. وغالباً ما يتم استعارة لغة العلم لإضفاء مظهر من الشرعية. مصطلحات مثل الميتوكوندريا، والميكروبيوم، والإبيجينتيك، والالتهابات تُنتزع من أبحاث علمية حقيقية وتُحوَّل إلى أدوات تسويقية. كما تُضخم نتائج أولية أجريت على خلايا أو فئران لتُقدَّم باعتبارها ثورات علاجية للبشر. وهكذا تصبح الحدود بين العلم الحقيقي والعرض المسرحي ضبابية.

والأخطر أن العلوم الزائفة نادراً ما تقدم نفسها باعتبارها ضد العلم. بل إنها تقلّد العلم شكلياً. فالمؤثرون يستشهدون بالدراسات، ويرتدون المعاطف البيضاء، ويستخدمون مصطلحات تقنية لإظهار السلطة المعرفية. لكن اللغة العلمية وحدها لا تصنع علماً. فالعلم لا يُعرَّف بالثقة المفرطة أو بالمظهر أو بالمصطلحات المعقدة، بل بالاختبار الصارم، والشفافية، وإمكانية التكرار، والاستعداد للتخلي عن الأفكار عندما تناقضها الأدلة. أما العلوم الزائفة، فغالباً ما تقاوم التصحيح. فحين تفشل تنبؤاتها، لا تتراجع معتقداتها، بل تُختلق أعذار جديدة: مؤامرة، فساد، رقابة، أو تواطؤ بين شركات الأدوية، والحكومات، والجامعات، ووسائل الإعلام. لقد أصبحت نظريات المؤامرة إحدى السمات الأساسية للمعلومات الصحية المضللة الحديثة. ولم يظهر فقدان الثقة بالمؤسسات من فراغ. فالاستقطاب السياسي، وعدم المساواة الاقتصادية، والفضائح التجارية، وصدمات جائحة كوفيد-19، كلها ساهمت في إضعاف ثقة الناس بالمؤسسات التقليدية. وفي هذا المناخ، ظهر جيل جديد من مؤثري الصحة يقدم نفسه باعتباره متمرداً شجاعاً يكشف الحقائق المخفية.

وبالنسبة لكثير من المتابعين، لا تقدم هذه الحركات مجرد نصائح صحية، بل تمنحهم هوية وانتماءً وشعوراً بالتفوق المعرفي. يصبح اكتشاف الحقيقة نوعاً من التحرر النفسي، ويُشجَّع الأتباع على رؤية أنفسهم كمفكرين مستقلين يقاومون تلاعب النخب الفاسدة. وتضاعف وسائل التواصل الاجتماعي هذه الظاهرة بشكل هائل، لأن المنصات تكافئ المحتوى العاطفي والمثير للغضب والخوف، إذ يزيد ذلك من التفاعل والمشاهدات. ومن الصعب على طبيب هادئ يتحدث بلغة الأدلة العلمية أن ينافس فيديوهات درامية تدّعي أن الأطعمة اليومية تقتل الناس ببطء. كما يعكس صعود ثقافة الصحة حاجة إنسانية عميقة: الحاجة إلى الأمل.

فالمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة أو آلام مستمرة يشعرون أحياناً بأن الأنظمة الصحية باردة أو متسرعة أو غير إنسانية. والطب العلمي، رغم إنجازاته الضخمة، لا يقدم دائماً حلولاً سريعة أو تفسيرات مريحة. وفي هذه الفجوة العاطفية، يظهر المؤثرون ليقدموا اليقين، والانتماء، والمعنى. ولهذا السبب لا تجذب العلوم الزائفة الجهلة فقط، بل قد تجذب أيضاً أشخاصاً متعلمين وذوي ذكاء عالٍ. فالذكاء وحده لا يحمي الإنسان من الانحيازات النفسية، أو التفكير العاطفي، أو اليأس.

لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تدفع المعلومات المضللة الناس إلى رفض العلاجات المثبتة علمياً. ففي أنحاء مختلفة من العالم، يتم إقناع مرضى السرطان، والسكري، وأمراض المناعة الذاتية، بالتخلي عن أدويتهم لصالح أنظمة غذائية متطرفة أو مكملات أو برامج تنظيف بلا أي دليل علمي حقيقي. بعضهم يخسر وقتاً ثميناً، وآخرون يخسرون حياتهم.

وهذا لا يعني أن العلم معصوم من الخطأ. فالطب ارتكب أخطاء عبر التاريخ، وما يزال يتطور باستمرار. والشك الصحي ضروري لأي منظومة علمية. لكن التشكيك العلمي ليس هو نفسه الرفض المطلق للخبرة والمعرفة. يبقى العلم أفضل وسيلة امتلكتها البشرية لفهم الأمراض وتحسين الصحة، لأنه يقوم على النقد، والتصحيح الذاتي، والاحتكام إلى الأدلة. أما صناعة الصحة الحديثة، فتقدم شيئاً أكثر إغراءً بكثير: يقيناً بلا برهان، وبساطة بلا تعقيد، وتمرداً يُباع على هيئة حقيقة مخفية.

وفي عصر تحكمه الخوارزميات والخوف وفقدان الثقة، أصبحت هذه الخلطة شديدة القوة…وشديدة الخطورة.

ولهذا، عندما ترى شخصاً يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويقدم علاجاً سحرياً لكل الأمراض، ويهاجم العلماء والأطباء، ويعتمد على القصص الشخصية ونظريات المؤامرة أكثر من الأدلة… فاعلم أنك لا تقف أمام ثائر ضد المنظومة، بل أمام تاجر وهم يرتدي قناع العلم.

The post العلم الزائف appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress