العلاقات الروسية ـ التركية بعد قمة أنقرة: توازن بين التعاون والمنافسة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

د. خالد العزي*

 

 

تُظهر التطورات الأخيرة في العلاقات الروسية ـ التركية أن موسكو وأنقرة ما زالتا تديران علاقة معقدة تقوم على التعاون من جهة والمنافسة من جهة أخرى. فرغم الخلافات حول ملفات إقليمية عدة، فإن المصالح المشتركة تدفع الطرفين إلى استمرار الحوار، خصوصاً في مجالات الطاقة والتجارة والأمن والنقل.

وتحاول تركيا، باعتبارها عضواً في حلف شمال الأطلسي، الحفاظ على علاقاتها مع الغرب، وفي الوقت نفسه تعزيز تعاونها مع روسيا مستفيدة من موقعها الجغرافي ودورها كحلقة وصل بين الشرق والغرب. أما موسكو فترى في أنقرة شريكاً مهماً قادراً على التحرك باستقلالية نسبية عن السياسات الغربية.

 

صفقة "إس-400": ملف عسكري ذو أبعاد سياسية

تبقى منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400" أحد أكثر الملفات حساسية بين البلدين. فمنذ شراء تركيا المنظومة وتسلمها عام 2019، تحولت الصفقة من اتفاق عسكري إلى قضية سياسية أثرت على علاقة أنقرة بالولايات المتحدة وحلف الناتو.

وقد أدت الصفقة إلى استبعاد تركيا من برنامج المقاتلة «إف-35» وفرض عقوبات أميركية على قطاع الصناعات الدفاعية، لكن أنقرة لم تتخلَّ رسمياً عن المنظومة، بل أبقتها في حالة تجميد سياسي لتجنب مواجهة مع موسكو أو واشنطن.

ولا يبدو أن تركيا تتجه إلى إلغاء الصفقة بشكل كامل، بل تبحث عن تسوية تحافظ من خلالها على استقلالية قرارها الدفاعي، مع إمكانية تحسين علاقاتها مع الغرب.

 

قمة أنقرة وسياسة التوازن

تنظر موسكو إلى "إس-400" باعتبارها أكثر من صفقة تجارية، فهي تمثل ورقة نفوذ سياسي تظهر قدرة روسيا على بناء تعاون عسكري مع دولة عضو في الناتو. لذلك فإن أي تغيير في وضع المنظومة يحتاج إلى تفاهم مع الجانب الروسي.

تعكس اللقاءات الروسية ـ التركية أن الطرفين لا يسعيان إلى تحالف كامل، بل إلى إدارة الخلافات ضمن إطار المصالح المتبادلة. فروسيا تحتاج إلى تركيا كنافذة اقتصادية وسياسية في ظل العقوبات الغربية، بينما تحتاج تركيا إلى التعاون مع موسكو في الطاقة والتجارة والملفات الإقليمية.

يشكل البحر الأسود اختباراً مهماً للعلاقة بين البلدين. فتركيا تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين دعم أوكرانيا في بعض المجالات، وبين تجنب مواجهة مباشرة مع روسيا. كما أن سيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل تمنحها دوراً استراتيجياً في إدارة حركة السفن خلال الحرب.

أما روسيا فتنظر إلى البحر الأسود باعتباره مجالاً حيوياً لأمنها القومي، وترى أي استهداف لمنشآتها أو سفنها ضمن سياق الصراع الأوسع مع أوكرانيا والدول الداعمة لها.

 

الدفاع الجوي والمسيرات: رسائل روسية

مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب الأوكرانية، تحاول روسيا التأكيد على أهمية أنظمة الدفاع الجوي الحديثة في حماية أراضيها ومنشآتها. غير أن ربط هذه التطورات مباشرة بمنظومة "إس-400" التركية يبقى محدوداً، لأن ظروف استخدامها في روسيا تختلف عن وضعها في تركيا المرتبط بحسابات الناتو.

 

مستقبل "إس-400": ثلاثة احتمالات

1-استمرار التجميد:

السيناريو الأكثر احتمالًا، حيث تحتفظ تركيا بالمنظومة كورقة استراتيجية دون استخدامها بشكل واسع.

2-إعادة تفعيل جزئي:

قد تلجأ تركيا إلى هذا الخيار إذا شعرت بتهديدات أمنية مباشرة أو توترت علاقتها مع الغرب.

3-تسوية مع الولايات المتحدة:

قد يصبح ملف "إس-400" جزءاً من صفقة سياسية أوسع تشمل التعاون الدفاعي وإعادة ترتيب العلاقة داخل الناتو.

4- البيع لدولة ثالثة: التوصل إلى اتفاق سياسي مع الولايات المتحدة أو إعادة تصدير المنظومة إلى دولة ثالثة تتمتع بعلاقات مقبولة مع روسيا وتركيا والغرب، بما يسمح لأنقرة بتجاوز الأزمة دون قطع علاقاتها مع موسكو.

إذن، لا يرتبط مستقبل العلاقات الروسية ـالتركية بمصير منظومة "إس-400" وحسب، بل بموقع تركيا في النظام الدولي. فأنقرة تسعى إلى الحفاظ على توازن بين علاقاتها مع موسكو والغرب، بينما تستخدم روسيا هذه العلاقة لتعزيز نفوذها، ما جعل "إس-400" رمزاً لصراع النفوذ حول دور تركيا بين القوى الكبرى.

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية