العلاقات التركية–اللبنانية: من التضامن التاريخي إلى الردع الإستراتيجي

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

إيمان درنيقة الكمالي*

تتجاوز العلاقات التركية- اللبنانية اليوم حدود الروابط التاريخية، لتغدو ضرورة إستراتيجية تفرضها أزمات الشرق الأوسط المتفاقمة؛ إذ تدرك بيروت وأنقرة أن مصالحهما تقاطعت عند نقطة مفصلية تضع استقرار لبنان في صلب الأمن القومي التركي.

ولم تكن إشارة الرئيس رجب طيب أردوغان الى مدينتي طرابلس وبيروت مجرد لفتة عاطفية، بل جاءت تعبيراً عن اهتمام تركي متصاعد بدعم لبنان، وهو ما تجسد بطرح ملف انسحاب قوات الاحتلال كأولوية مع الرئيس الأميركي ترامب. وفي هذا السياق، تتوج زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى إسطنبول، والأنباء عن زيارة مرتقبة للرئيس جوزف عون إلى أنقرة، بداية "صفحة جديدة" يسعى من خلالها لبنان للاستناد إلى الثقل التركي.

وهنا تطرح الإشكالية نفسها: ما أبعاد هذا التعاون المستجد، وما الذي يجعله ضرورة إستراتيجية ملحة في ظل إعادة رسم توازنات المنطقة؟

تستند أنقرة في توصيفها للتحركات الإسرائيلية جنوباً كتهديد مباشر لأمنها القومي إلى عقيدة ترى أنَّ أمنها يبدأ من بيروت وصولاً إلى هاتاي؛ إذ إن أي تمدد شمالاً يضع الاحتلال على تماس مع مجالها الحيوي. كما ترى أن سياسة قضم الأراضي هي خطوة لتنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى"، ممّا يفرض على أنقرة التحرّك لحماية حدودها وحفظ المنطقة من الفوضى.

وتتجاوز مجالات التعاون المرتقب أطر الدعم التقليدية لتتجسد في شراكة متعددة البعد؛ أمنياً، يبدي الجانب التركي استعداداً لرفد الجيش اللبناني بالتدريب والعتاد وضبط الحدود. واقتصادياً، ينفتح الشق الاستثماري على ملفات حيوية وفي مقدمها الدعم بالطاقة الكهربائية وإعادة إعمار البنية التحتية، وتطوير المرافئ بربط مرفأ طرابلس بالموانئ التركية ليكون بوابة تجارية لنقل البضائع نحو العمق العربي.

وتتجلى ضرورة التعاون بحجم المصالح المتبادلة؛ فبينما يطمح لبنان الى جذب استثمارات ومظلة دعم إقليمي، تسعى أنقرة الى تعزيز حضورها في شرق المتوسط عبر البوابة الرسمية. وترى أنقرة أن الشراكات المباشرة هي خط الدفاع الأول، مجهضةً محاولات إذكاء الفتنة بين بيروت ودمشق؛ إذ تؤكد أنها لا تطرح نفسها "بديلاً" من أي طرف، بل تدعم التواصل المباشر والسيادي بين البلدين لقطع الطريق على حملات التحريض وشبكات "الذباب الإلكتروني" الإسرائيلي المضلِّلة.

وفي أبعاد هذا الموقف، ترتكز أنقرة الى مبدأ إرغام الخصوم على الانكفاء بقوة الردع؛ تطبيقاً للمقولة الإستراتيجية: "إن أردت السلام، فأعدّ القوة واستعدّ للحرب". ويشكل تطوير المسيرات والصواريخ البالستية ركيزة أساسية لتغيير قواعد الاشتباك. إلا أن هذا الاستعراض يكتمل بالتزام تركيا المطلق السيادة اللبنانية؛ إذ تشدد على أن أي تعاون لن يتم إلا بطلب صريح من الحكومة اللبنانية وعبر مؤسساتها الرسمية، حاصرةً تعاملها بالدولة الشرعية لتعزيز وحدتها، ورافضةً أي تنسيق مع تنظيمات خارج هذا الإطار.

غير أن هذا التموضع يقف أمام رهانات معقدة؛فالحراك الراهن يتجاوز الأبعاد البروتوكولية ليلامس جوهر التنافس الإقليمي، وهو بذلك يتطلب قدرة لبنان على ترتيب بيته الداخلي والتحرر من الضغوط الخارجية لإتاحة المجال أمام قرار سياسي شجاع يحدد حجم هذا التعاون.

وفي المقابل، يتجلى التحدي الأكبر في خطورة الانزلاق الى مواجهة لم يخطط لها أحد. فالواقع يؤكد أن أنقرة لا تسعى الى مواجهة عسكرية، بل تضع الديبلوماسية والردع في الصدارة؛ غير أن استمرار العناد الإسرائيلي وتجاوزه الخطوط الحمراء قد يجبر تركيا —في حال تبلور اتفاق دفاعي مع بيروت— على خوض معركة تفرضها التطورات الميدانية. وفي ظل الانسداد السياسي، يظل السؤال المؤرق: هل تنجح قوة الردع التركية في فرض مسار السلام، أم أن استمرار التصعيد الاسرائيلي سيجبر الجميع على مواجهة فاصلة تُعيد تشكيل الشرق الأوسط برمّته؟

 

*أستاذة جامعيّة- باحثة سياسيّة

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية