العقوبات على "الثنائي" رسالة أو إجراء عملي مستمر؟
لم يكن مفاجئا للأوساط المعنية المتابعة لملف العقوبات الأميركية أن تبادر وزارة الخزانة إلى إصدار لائحة جديدة من تسعة أسماء لبنانية، في ظل سياسة تتبعها الوزارة في سياق حماية نظامها المالي. ولكن ما كان مفاجئا أن هذه اللائحة التي كانت متوقعة في مرحلة سابقة جدا، جاءت في توقيت لافت من حيث الدلالات التي تحملها الشخصيات المعاقبة، إذ حملت أبعادا تتجاوز السياسة لتبلغ استهداف الدولة العميقة لـ"حزب الله" وحركة "أمل" في مناصب حساسة واساسية تمسكها هذه الشخصيات وتؤثر مباشرة على قرارات الدولة وتنفيذها.
لم تعد واشنطن كما تقول مصادر قريبة منها تكتفي بإدراج أسماء في لوائح عقوباتها لتوجه رسائل إلى الداخل اللبناني كما يحلو لهذا الداخل أن يفهم أو على الأقل أن يحاول تبرير العقوبات بأنها رسائل سياسية. فالوقائع مغايرة، وثمة أبعاد تقنية تتصل بحماية أميركا مصالحها ونظامها المالي من جهة، وترجمة التزامها حيال وقف تمويل الحزب وشركائه في الحكم في لبنان من جهة أخرى، من خلال قطع شرايين هذا التمويل.
وهنا، يصبح واضحا لماذا لن تقتصر اللائحة على تسعة أسماء، بل ستتجاوزها إلى أسماء جديدة من الصعب تحديد هويتها، رغم ما تردد عن أن اللائحة قد تضم نحو 90 اسما تم إعداد جداول بها، وذلك بسبب عدم تداول معلومات ذات طابع سري جداً ريثما تكتمل ملفاتها، كما ذكرت مصادر متابعة، كاشفة عن إعلان الوزارة مكافأة مالية قدرها 10 ملايين دولار لكل من يقدم معلومات تساعد على كشف شبكة تمويل الحزب.
وتيرة أسرع
لكن المصادر استبعدت أن تكون اللائحة المقبلة قريبة أو أن تأتي دفعة واحدة، بل فور اكتمال كل ملف، مشيرة إلى أن هذا المسار بدأ في شكل أكثر جدية وبوتيرة ستكون أسرع، لأن الوقت لتحقيق الهدف القاضي بوقف تمويل الحزب بات ضاغطا أكثر، ويتطلب تحركا أسرع، بعدما انتقلت واشنطن في المرحلة الأخيرة إلى ممارسة مزيد من الضغوط على لبنان تستهدف البيئة السياسية والأمنية والعملانية المالية الداعمة للحزب، بعدما تبين أن مصادر تمويله وشبكاته، رغم كل الاستهدافات السابقة، لا تزال نشطة وإن بوتيرة أضعف.
تأتي العقوبات على الأشخاص التسعة وهم ضمن فئتين، الأولى تضم من سمتهم الخزانة في بيانها "الممثلين السياسيين للحزب"، وتضم النواب حسن فضل الله، وإبرهيم الموسوي، وحسين الحاج حسن، إضافة إلى النائب والوزير السابق محمد فنيش الذي يشغل حاليا منصب رئيس المجلس التنفيذي للحزب.
أما الفئة الثانية وهي ربما الأخطر اليوم في الاستهداف فتضم من سماهم البيان "الشركاء الأمنيين والسياسيين للحزب"، وهم السفير الإيراني محمد رضا شيباني الذي خالف طلب لبنان مغادرته الأراضي اللبنانية، في انتقاص واضح للسيادة اللبنانية، والمسؤول الأمني في حركة "أمل" أحمد بعلبكي وقائد الحركة في الجنوب علي أحمد صفاوي اللذان يقومان بعمليات التنسيق بين الحركة والحزب، إضافة إلى مسؤولين أمنيين في أجهزة الدولة هما رئيس دائرة الأمن القومي في مديرية الأمن العام العميد خطار ناصر الدين ورئيس فرع الضاحية الجنوبية في مديرية المخابرات في الجيش العقيد سامر حمادة اللذان يشاركان الحزب المعلومات الاستخبارية.
العمق المخابراتي
ترمي واشنطن من خلال هذه الأسماء المحددة إلى ضرب العمق السياسي والمخابراتي والمالي للحزب، باعتبار أن النواب المستهدفين هم أكثر الشخصيات ارتباطاً بإيران، فضلاً عن توجيهها رسالة صارمة إلى رئيس المجلس ورئيس حركة "أمل" نبيه بري مؤداها أن الطريق إليه باتت أقرب، كما إلى رئيس الجمهورية وقائد الجيش على مسافة أيام من انعقاد جلسة المسار الأمني في وزارة الدفاع الأميركية.
وقد قرأ "الثنائي" الرسالة بوضوح عندما أعلن في بيانين منفصلين لكل من الحركة والحزب أن العقوبات ترمي إلى الضغط على بري لرفضه التفاوض المباشر وعلى قائد الجيش لرفضه مواجهة "المقاومة".