العفو العام إلى الهيئة العامّة: تسويات على الإعدام والمؤبّد واعتراضات على إطلاق الموقوفين

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أقرت اللجان النيابية المشتركة، الصيغة المعدّلة لقانون العفو العام تمهيداً لإحالته إلى الهيئة العامة لمجلس النواب الخميس المقبل، بعد سلسلة طويلة من التجاذبات السياسية والقضائية والطائفية، ومحاولات الوصول إلى تسوية توازن بين الاعتبارات الإنسانية وحقوق الضحايا ومتطلبات العدالة.

وفي واحدة من أكثر الجلسات حساسية، أدخلت اللجان تعديلات واسعة على المشروع، شملت تخفيضات على العقوبات الكبرى، وربط الاستفادة من العفو بإسقاط الحق الشخصي، إلى جانب الإبقاء على استثناءات تتعلق بجرائم الفساد والمال العام وتبييض الأموال والإرهاب، في محاولة لاحتواء الاعتراضات السياسية والشعبية التي رافقت النقاشات خلال الأسابيع الماضية.

تخفيض الإعدام والمؤبد… وعقدة الموقوفين

وقال نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب بعد انتهاء الجلسة إن القانون “حافظ على حق أهالي شهداء الجيش بعدم إسقاط حقهم الشخصي أمام القضاء المدني، لأن الجيش لم يكن طرفاً في النزاعات”، مؤكداً أن اللجان أخذت بملاحظات وزارتي الدفاع والداخلية وقيادة الجيش.

وشدد بو صعب على ضرورة إيجاد حل جذري لأزمة المحاكمات والتوقيفات الطويلة، معتبراً أن جزءاً كبيراً من المشكلة يرتبط بتأخر البت في الملفات القضائية، في وقت ترتفع فيه الأصوات المطالبة بإنهاء معاناة آلاف الموقوفين داخل السجون اللبنانية.

وبحسب الصيغة التي خرجت بها اللجان، جرى اعتماد 28 سنة سجنية لعقوبة الإعدام، أي ما يوازي نحو 21 سنة فعلية، فيما خُفّضت عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة إلى 18 سنة سجنية تقريباً، مع اعتماد 14 سنة للموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، بحيث يُخلى سبيل من تجاوزوا هذه المدة بعد إقرار القانون مع استكمال محاكماتهم وهم طلقاء.

إلا أن النائب بلال الحشيمي أكد أن بند إطلاق الموقوفين الذين أمضوا 14 عاماً في السجن من دون صدور أحكام نهائية بحقهم "لم يحظَ حتى الآن بتوافق كامل داخل اللجان"، مشيراً إلى أن الحسم النهائي لهذه النقطة سيُترك للهيئة العامة لمجلس النواب.

الإرهاب وملف أحمد الأسير

وفي ما يتعلق بالملفات الأكثر حساسية، تشير المعطيات المتداولة داخل اللجان إلى أن غالبية المحكومين في قضايا التفجيرات الإرهابية الذين ثبت تورطهم المباشر وصدر بحقهم حكم الإعدام، لن يكونوا قريبين من الخروج من السجن، خلافاً لما أشيع خلال الأيام الماضية، باعتبار أن معظم هذه الجرائم وقعت بعد عام 2014، ما يعني أن المحكومين لا يزالون بحاجة إلى سنوات طويلة للاستفادة من تخفيض العقوبات.

وينطبق ذلك أيضاً على قضية أحمد الأسير، إذ تشير القراءة القانونية المتداولة إلى أنه في حال الإبقاء على حكم الإعدام الصادر بحقه، فسيحتاج إلى أكثر من عشر سنوات إضافية قبل أن يتمكن من الاستفادة من التخفيضات المقترحة والخروج من السجن. أما إذا قررت محكمة التمييز تخفيض الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، فقد تنخفض المدة المتبقية إلى نحو ست سنوات تقريباً، وفق آلية الاحتساب الجديدة التي تضمنها مشروع القانون.

"إدغام العقوبات" والتخفيض إلى الثلث

أما في ملف اللبنانيين الذين فروا إلى إسرائيل بعد عام 2000، فقد تم الاتفاق على اعتماد القانون الصادر عام 2011 كمرجعية لمعالجة أوضاعهم، فيما شمل العفو قضايا تعاطي المخدرات والترويج غير المنظم، مع استثناء شبكات الإتجار والترويج المنظم من أحكامه.

وشكّل بند “إدغام العقوبات” إحدى أبرز نقاط الخلاف داخل اللجان. فبعد نقاشات حادة حول كيفية احتساب الأحكام المتعددة للمحكوم الواحد، تم الاتفاق على اعتماد العقوبة الأشد، مع منح القاضي صلاحية إضافة ربع العقوبات الأخرى فقط، بدلاً من نصفها كما كان مطروحاً في بعض الصيغ السابقة، في تسوية هدفت إلى تخفيف الأحكام التراكمية من دون إسقاط الطابع الردعي للقانون بالكامل.

وفي موازاة ذلك، أثارت المادة المتعلقة بتخفيض العقوبات إلى الثلث اعتراضات نيابية واسعة، بعدما اعتبر بعض النواب أن التوسّع في التخفيض قد يؤدي إلى استفادة مرتكبي جرائم خطيرة لا يُفترض أن تشملها أي تسوية استثنائية، ولا سيما الجرائم المالية والتعديات الكبرى والاعتداءات الخطرة.

الاستثناءات والحق الشخصي

ورغم الاتجاه نحو تمرير القانون، أبقت اللجان على مجموعة واسعة من الاستثناءات التي وُصفت بأنها “خطوط حمراء”، أبرزها الجرائم المتعلقة بالمال العام والفساد والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى الجرائم البيئية والتعديات المستمرة على الأملاك العامة والمشاعات وأملاك الدولة.

كذلك ربطت الصيغة النهائية الاستفادة من العفو بإسقاط الحق الشخصي أو دفع التعويضات المحكوم بها، بحيث لا يستفيد أي موقوف أو محكوم من تخفيض العقوبة أو العفو في القضايا التي تتضمن حقوقاً شخصية، إلا بعد موافقة المتضررين أو عائلات الضحايا، في خطوة اعتُبرت محاولة لتخفيف الاعتراضات المرتبطة بحقوق الأهالي والمتضررين.

ويأتي إحياء ملف العفو العام في ظل تفاقم أزمة السجون اللبنانية التي تعاني اكتظاظاً غير مسبوق وتدهوراً حاداً في الظروف الصحية والإنسانية، ما دفع عدداً من القوى السياسية إلى التعامل مع القانون باعتباره ضرورة ملحّة لتخفيف الضغط عن النظام السجني، في مقابل تمسك قوى أخرى بعدم تحويله إلى تسوية سياسية مفتوحة تشمل جرائم حساسة أو تمسّ بمفهوم العدالة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية