العرب على هامش "الحرب الباردة الرقمية"

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يبدو أن التنافس الذي كان يدور في السابق عبر الترسانات النووية والحروب بالوكالة قد اتخذ منحىً جديداً نحو البنية الرقمية.

فقد أصبحت أشباه الموصلات والبنية التحتية السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي والكابلات البحرية، والمعايير التي تحكم تدفق البيانات، ساحةً تتنافس فيها الولايات المتحدة والصين على الهيمنة العالمية. وهو تنافس اتخذ في عهد ترامب طابع "الحرب الباردة"، ليس لأنه يعكس الثنائية الأيديولوجية للقرن العشرين، بل لأنه يشترك معها في منطقها الأساسي. فنحن إزاء كتلتين تتسابقان للسيطرة على التقنيات التي ستحدد القوة الاقتصادية والقدرة العسكرية وسيادة المعلومات لعقود قادمة.

فقد اتخذت واشنطن إجراءات لتقييد وصول الصين إلى الرقائق الإلكترونية المتطورة ومعدات تصنيعها، بذريعة الأمن القومي. وردّت بكين بتسريع مساعيها نحو الاكتفاء الذاتي التكنولوجي وضخّ موارد الدولة في إنتاج أشباه الموصلات محلياً وتصدير بنيتها التحتية الرقمية، بدءاً من شبكات "هواوي" للاتصالات وصولاً إلى أنظمة المراقبة، إلى دول الجنوب العالمي. والنتيجة هي بنية تكنولوجية متباينة، إذ تتعرض الدول لضغوط متزايدة لاختيار من ستعتمد عليه في بناء مستقبلها، من حيث شبكات الجيل الخامس ومنصات الحوسبة السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفع.

ستكون الدول العربية جزءاً من هذا الصراع، أو ربما هي كذلك الآن، لكن ليس كطرف يحدد شروطه. فهي، في الغالب، ساحة تنافس من دون تأثير، لأنها تفتقر إلى النفوذ لاتخاذ خيارات خاصة بها من شأنها تغيير مسار التنافس. وذلك أولاً بسبب الطبقات التي تُشكّل النظام الرقمي. على المستوى الأساسي، تكمن صناعة أشباه الموصلات والملكية الفكرية الكامنة وراءها، والتي تهيمن عليها تايوان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، وبشكل متزايد الصين. لا تمتلك أي دولة عربية قدرة تصنيعية تُذكر للرقائق الإلكترونية.

أما على مستوى البنية التحتية كالحوسبة السحابية ومراكز البيانات الفائقة التوسع وشبكات الكابلات البحرية، فتستضيف المنطقة بنى تحتية أميركية وصينية وأوروبية، لكنها لم تُنشئ تقريباً أي بنية تحتية خاصة بها على نطاق عالمي. وعلى مستوى البرمجيات والذكاء الاصطناعي فإن نماذج اللغة الضخمة وأنظمة التشغيل والمنصات التي تُحدد الحياة الرقمية تنشأ في الغالب من وادي السيليكون، أو من شركات صينية.

ويتفاقم هذا الوضع بسبب التشرذم داخل المنطقة نفسها. فلا يوجد في العالم العربي ما يُعادل النفوذ التنظيمي للاتحاد الأوروبي أو حجم الصين، الأمر الذي قد يُتيح التفاوض الجماعي مع القوى الكبرى. فكل دولة تُفاوض على شراكاتها التكنولوجية بشكل منفرد، مُتخليةً بذلك عن أي نفوذ قد يُوفره العمل الجماعي.

ليس أياً من هذا بالضرورة دائماً. فقد بدأ بعض الدول العربية بصوغ استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، والاستثمار في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وفي حالة دول الخليج، بناء قدرات حاسوبية سيادية بدلًا من مجرد استئجارها. وتمثل المحاولات لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي باللغة العربية وأطر حوكمة البيانات الإقليمية خطوات أولية نحو الاكتفاء الذاتي التكنولوجي. إلا أن هذه الخطوات لا تزال أولية، وتُقاس بعدد محدود من المبادرات في مقابل عقود من الحرمان الهيكلي المتراكم.

ومن المرجح أن تشتد حدّة الحرب الباردة الرقمية قبل أن تستقر عند أي توازن جديد. بالنسبة للعالم العربي، لا يتعلق المستقبل القريب باختيار جانب في صراع متكافئ بقدر ما يتعلق بإدارة التبعية، أي استخلاص أفضل الشروط الممكنة من منافسة القوى العظمى ما دامت قائمة، واستخدام النفوذ الذي لا تزال توفره ثروة النفط والطاقات البديلة والموقع الجغرافي لبناء القدرات التكنولوجية المحلية، وإن كان ذلك متأخراً، والتي من شأنها أن تُمكّن المنطقة من الانتقال من كونها طرفاً متضرراً إلى مشارك فاعل. وسيعتمد حدوث هذا الانتقال، بشكل أقل على نتيجة الصراع الأميركي- الصيني، وأكثر على الخيارات التي لم تتخذها المنطقة بشكل كامل بعد بشأن استثماراتها في الأفراد والمؤسسات والتكنولوجيا.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية