العراق يواجه "المجاميع الخاصة"... شبكات سرية تعيد رسم النفوذ الإيراني
يشهد العراق تحولاً لافتاً في طبيعة النشاط العسكري المرتبط بمحور إيران، مع بروز تشكيلات سرية تُعرف داخل الأوساط الأمنية باسم "المجاميع الخاصة"، تعمل وفق هيكليةٍ منفصلة عن الفصائل المسلحة التقليدية، وترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، في تطورٍ يثير تساؤلات حيال مستقبل سيادة الدولة العراقية وانعكاساته على علاقاتها مع محيطها العربي.
وكشفت مصادر أمنية وسياسية عراقية مطلعة لـ"النهار" أن هذه التشكيلات لا تخضع للأطر التنظيمية والسياسية المعروفة للفصائل المنضوية من ضمن ما تعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق"، وإنما تعمل من ضمن شبكات صغيرة شديدة السرية، تتلقى توجيهاتها مباشرة من ضباط في الحرس الثوري.
هامش إنكار
وأوضحت المصادر أن إنشاء هذه "المجاميع الخاصة" يهدف إلى "توفير هامش إنكارٍ سياسي وعسكري يسمح بتنفيذ عملياتٍ نوعية باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى ضد السعودية وبعض دول الجوار، من دون تحميل الفصائل العراقية التقليدية المسؤولية المباشرة".
وبحسب المصادر، يعكس هذا النموذج تحولاً في الاستراتيجية الإيرانية داخل العراق، من الاعتماد على الفصائل الكبيرة ذات البنية السياسية والعسكرية المعروفة، إلى خلايا محدودة العدد تتمتع باستقلالية واسعة في التخطيط والتنفيذ، بما يمنح طهران قدرةً أكبر على إدارة العمليات وتقليص تكلفة المسؤولية السياسية.
وأضافت أن "هذا التحول جعل العراق، عملياً، قاعدة عمليات متقدمة ضمن الاستراتيجية الإقليمية التي تقودها إيران، وهو ما انعكس على مستوى التوتر مع دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، التي تعتبر أن أمنها القومي يتأثر بصورة مباشرة بما يجري داخل الأراضي العراقية".
وأشارت إلى أن هذا الملف تحول خلال الفترة الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط التباين بين بغداد والرياض، في ظل الاتهامات المتبادلة بشأن هجمات الطائرات المسيّرة، في مقابل تأكيد الحكومة العراقية رفض استخدام أراضيها للاعتداء على دول الجوار، ونفيها علمها أو موافقتها على أي عمليات من هذا النوع.

شبكة عمليات مشتركة
وكشفت المصادر أن ارتباط "المجاميع الخاصة" لا يقتصر على الحرس الثوري الإيراني، وإنما "يمتد إلى جماعة الحوثيين في اليمن عبر قنوات تنسيق عملياتي وتبادل للخبرات، وخصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، من ضمن شبكة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من محور إيران".
وأضافت أن "بعض الهجمات التي استهدفت السعودية خلال الفترة الماضية نُفذت بتنسيق بين عناصر عراقية والحوثيين، عبر غرفة عمليات يشرف عليها ضباط في الحرس الثوري".
ويرى مختصون أن خطورة هذا التطور لا ترتبط بطبيعة العمليات العسكرية فحسب، وإنما بما يعكسه من انتقال العراق إلى موقعٍ متقدم في إدارة الصراع الإقليمي، بما يزيد احتمالات تعرضه لردود عسكرية من دولٍ تعتبر نفسها مستهدفة بهجمات انطلقت من أراضيه.
تحدٍ لسيادة الدولة
في المقابل، تؤكد الحكومة العراقية بصورة متكررة التزامها مبدأ عدم استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على أي دولة، وتشدد على أن سياستها الخارجية تقوم على التوازن ورفض الانخراط في سياسة المحاور.
وفي هذا السياق، يقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية سيف التميمي لـ"النهار" إن العراق "تجاوز مرحلة كونه ساحة نفوذ، وأصبح منصة عمليات متقدمة في صراعٍ إقليمي مفتوح، وهو تطور ستكون له تداعيات تتجاوز الحدود العراقية".
ويرى أن وجود هياكل عملياتية تعمل خارج مؤسسات الدولة وتتخذ قرارات ذات تداعيات إقليمية "يمثل التحدي الأخطر، لأنه قد يعرّض العراق لردود عسكرية مباشرة ويحمّله تكلفة صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية".
ويضيف أن "استمرار استخدام الأراضي العراقية في تنفيذ عمليات تستهدف دولاً أخرى قد يقوض ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين بقدرة بغداد على فرض سيادتها، ويزيد الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية، فضلاً عن تأثيره في بيئة الاستثمار والاستقرار". ويخلص إلى أن العراق "يقف أمام مفترق طرق؛ فإما أن يكرس احتكار الدولة لاستخدام القوة ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة صراع بالوكالة، وإما أن يواجه دورة متصاعدة من التصعيد الإقليمي يصعب احتواء تداعياتها".