العراق يحاصر الفصائل... هل ينجح بمنع الانخراط في الحرب؟
يتحرك العراق في واحدة من أكثر مراحله الأمنية والسياسية حساسية، مع تركيز الحكومة جهودها على منع الفصائل المسلحة من الانخراط في أي تصعيد إقليمي، وسط استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران واتساع رقعة المواجهة في المنطقة.
وفي وقت تحاول بغداد تحييد أراضيها عن أي صراع، رفعت فصائل مسلحة منسوب التصعيد بإعلان استعدادها للمشاركة في أي مواجهة دعماً لإيران، ما دفع الحكومة العراقية إلى توجيه تحذيرات واتخاذ إجراءات سياسية وأمنية لاحتواء الموقف.
تحذيرات مباشرة
وتقول مصادر سياسية وأمنية لـ"النهار" إن بغداد كثفت خلال الأيام الأخيرة اتصالاتها مع قادة الفصائل المسلحة، بالتزامن مع تحركات يقودها مسؤولون حكوميون وشخصيات نافذة داخل "الإطار التنسيقي"، بهدف احتواء أي اندفاعة نحو التصعيد العسكري.
وتضيف المصادر أن رسائل مباشرة وغير مباشرة نُقلت إلى قيادات الفصائل العراقية، "تضمنت تحذيرات واضحة من أن أي استهداف للقوات أو المصالح الأميركية داخل العراق أو خارجه انطلاقاً من الأراضي العراقية، أو أي مشاركة عسكرية خارج قرار الدولة، سيُعد خرقاً للقانون، وسيعرّض الجهات المنفذة لإجراءات حكومية وأمنية غير مسبوقة، فضلاً عن تداعيات دولية قد تطال العراق بأكمله".
وتأتي هذه التحركات في وقت تواصل فيه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي تنفيذ برنامجها لحصر السلاح بيد الدولة، وهو أحد أبرز التزاماتها الداخلية والخارجية. وكانت الحكومة أعلنت رسمياً أن 30 أيلول/سبتمبر المقبل يشكل الموعد النهائي لاستكمال تسليم الأسلحة المتوسطة والثقيلة الموجودة خارج المؤسسات الأمنية، مؤكدة أنه بعد هذا التاريخ لن يبقى أي مبرر قانوني أو سياسي لوجود سلاح خارج سيطرة الدولة، وأن جميع التشكيلات المسلحة مطالبة بالالتزام الكامل بقرارات الحكومة والامتناع عن ممارسة أي نشاط عسكري مستقل.

ضغوط سياسية موازية
وترى المصادر أن أي انخراط للفصائل في المواجهة الحالية بين واشنطن وطهران "سيقوض مباشرة مشروع الدولة في احتكار استخدام القوة، وسيضع الحكومة أمام تحديات داخلية وخارجية كبيرة"، في وقت تسعى فيه بغداد إلى ترسيخ سياسة تقوم على تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية ومنع استخدام أراضيه منصة للهجمات أو الردود العسكرية.
وتؤكد أن الضغوط لا تقتصر على الحكومة، إذ تمتد أيضاً إلى القوى السياسية الداعمة للفصائل، إذ تقود شخصيات بارزة في "الإطار التنسيقي" حوارات مكثفة مع قادة الفصائل لإقناعهم بعدم الانجرار إلى مواجهة مع القوات الأميركية، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن أي تصعيد ستكون له كلفة أمنية واقتصادية وسياسية على الدولة العراقية وعلاقاتها الخارجية.
وتستند هذه المخاوف إلى مؤشرات تراكمت خلال الفترة الماضية، أبرزها المواقف الأميركية التي ربطت استمرار الشراكة الأمنية والاقتصادية مع بغداد بقدرة الحكومة على فرض سيطرتها الكاملة على السلاح. كما أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التأكيد، في أكثر من مناسبة، أن مستقبل الدعم الأميركي للعراق، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الاستثماري، يرتبط بمدى التزام بغداد تنفيذ تعهداتها المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة ومنع أي جماعات مسلحة من تنفيذ عمليات خارج إطار المؤسسات الرسمية.
قرار الدولة
وتوضح المصادر أن صناع القرار في بغداد يخشون أن يؤدي أي هجوم تنفذه الفصائل ضد أهداف أميركية إلى إعادة العراق إلى دائرة المواجهة المباشرة التي شهدها خلال الأشهر الماضية، حين تحولت أراضيه إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين واشنطن وطهران، وما رافق ذلك من ضربات أميركية استهدفت مواقع الفصائل وانعكست سلباً على الاستقرار الأمني والاقتصاد والاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى جهود الحكومة لاستعادة ثقة الشركات الدولية.
وتكشف المصادر أن الرسائل الحكومية الأخيرة "حملت مضموناً واضحاً مفاده أن قرار الحرب والسلم هو اختصاص حصري للدولة العراقية، وأن أي تحرك عسكري خارج هذا الإطار سيواجه بإجراءات قانونية وسياسية وأمنية، مع تحميل الجهات المنفذة المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات داخلية أو خارجية".
وتختم المصادر حديثها مع "النهار" بالإشارة إلى أن حالة الترقب ستستمر داخل أوساط الفصائل المسلحة، لأن قرار المشاركة في أي مواجهة إقليمية يرتبط بحجم التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وبطبيعة التوجيهات التي قد تصدر عن محور "المقاومة" في المنطقة، ما يبقي المشهد العراقي مفتوحاً على احتمالات متعددة، رغم الجهود الحكومية والسياسية المكثفة لإبعاد العراق عن دائرة الاشتباك المباشر.
وفي ظل تمسك الحكومة بمشروع احتكار الدولة للسلاح، وتواصل الضغوط السياسية الرامية إلى تجنيب البلاد تداعيات مواجهة إقليمية واسعة، تقف بغداد أمام محطة مفصلية ستحدد قدرتها على فرض سيادة الدولة وتنفيذ تعهداتها بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، إلى جانب رسم ملامح العلاقة المقبلة بين السلطة والفصائل المسلحة.