العراق ما بين سندان أميركا ومطرقة إيران
أمير الدعمي*
تشكل العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران واحدة من أخطر بؤر التوتر في العالم، ويقف العراق في قلب هذه المعادلة بوصفه الساحة الأكثر عرضة للتأثيرات المباشرة.
فالعراق ليس مجرد جارٍ لإيران أو شريكٍ أمني للولايات المتحدة، بل هو نقطة التقاء مصالح وصراعات، ما يجعله أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في اختيار سياسة تحمي سيادته وتمنع انزلاقه إلى صراع مفتوح؛ وفي ظل هذا الواقع تبرز الحاجة إلى تبني سياسة متوازنة وواقعية تقوم على الحياد الإيجابي وتعزيز الداخل وتوسيع العلاقات الخارجية.
أول ما يجب التشديد عليه هو أن الانحياز إلى أي من الطرفين لا يمثل خياراً عقلانياً للعراق؛ فالاصطفاف الكامل مع إيران قد يؤدي إلى عزلة دولية وعقوبات اقتصادية، بينما الانحياز إلى الولايات المتحدة قد يثير اضطرابات داخلية ويؤدي إلى صدام مع قوى سياسية ومسلحة نافذة. لذلك، فإن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في ما يمكن تسميته بـ"الحياد الإيجابي"، وهو ليس موقفاً سلبياً قائماً على تجنب المواجهة، بل سياسة نشطة تهدف إلى الحفاظ على التوازن بين الطرفين مع السعي للعب دور الوسيط.
ويُعد هذا الدور الوسيط فرصة استراتيجية للعراق، إذ يمكنه استثمار علاقاته مع كل من واشنطن وطهران لتخفيف حدة التوتر بينهما؛ فالعراق يمتلك قنوات تواصل مع الطرفين، ولديه مصلحة مباشرة في منع التصعيد، ما يمنحه شرعية للقيام بمبادرات ديبلوماسية. وإذا ما نجح في هذا الدور فإنه لا يحمي نفسه من تداعيات الحرب فحسب، بل يعزز مكانته الإقليمية ويعيد تعريف دوره كفاعل إيجابي في المنطقة بدل كونه ساحة صراع.
لكن نجاح أي سياسة خارجية يبقى مرهوناً بقوة الداخل؛ فالمشكلة الأساسية التي يعاني منها العراق لا تكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل في هشاشة بنيته السياسية والأمنية. لذلك، فإن الخطوة الأكثر أهمية تكمن في تعزيز مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة خارج إطارها، إضافة إلى مكافحة الفساد وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي؛ فكلما كان الداخل قوياً ومتماسكاً ازدادت قدرة العراق على اتخاذ قرارات مستقلة.
إلى جانب ذلك، ينبغي على العراق أن يعمل على تنويع شراكاته الدولية وعدم حصر علاقاته في محورين متقابلين؛ فالانفتاح على دول الخليج وتعزيز التعاون مع أوروبا وتطوير العلاقات مع قوى دولية أخرى، كلها خطوات من شأنها أن تقلّل من اعتماده على أي طرف واحد، كما أن تحقيق استقلال نسبيّ في مجال الطاقة عبر استثمار موارده المحلية، وتقليل الاعتماد على الخارج، يمثلان عنصراً أساسياً في تعزيز سيادته الاقتصادية والسياسية.
في المقابل، هناك مسارات ينبغي على العراق تجنبها، أبرزها التحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات كما فعلت حكومة مصطفى الكاظمي بجعل العراق نقطة التقاء لا صراع، قبل أن تفرط حكومة محمد شياع السوداني بعده بهذا المنجز... وأن لا يسمح العراق باستخدام أراضيه كمنطلق لعمليات عسكرية ضد أي طرف، فمثل هذه السياسات لا تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات الداخلية واستدعاء ردود فعل خارجية قد تكون مدمرة.
إن السياسة المثلى للعراق في ظل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لا تقوم على الاختيار بين طرفين، بل على بناء معادلة توازن دقيقة تحمي مصالحه الوطنية. هذه المعادلة تبدأ من الداخل عبر بناء دولة قوية، وتمر عبر الخارج من خلال الحياد الإيجابي والديبلوماسية النشطة، وتنتهي بتعزيز الاستقلال الاقتصادي والسياسي. وفي الوقت الذي قد تبدو هذه المهمة صعبة، فإنها تمثل الطريق الوحيدة لتجنب الانزلاق إلى صراع لا يملك العراق ترف تحمله.
* باحث سياسي وقانوني عراقي