العراق أمام المرآة اللبنانية: كيف تحوّل السلاح إلى جزء من النظام؟
كلما عاد النقاش في العراق حول مستقبل سلاح الفصائل المسلحة وإمكان دمجه في مؤسسات الدولة أو وضعه تحت سلطتها، يبرز لبنان باعتباره النموذج الأقرب إلى التجربة التي يمكن التوقف عندها، ليس لأن اللبنانيين نجحوا في حل هذه المعضلة، بل على العكس تماماً، لأنهم عاشوا معها لأكثر من ثلاثة عقود من دون أن يتمكنوا من التوصل إلى تسوية نهائية.
فالدرس اللبناني لا يكمن في كيفية تسليم السلاح، بل في تحوله من أداة عسكرية إلى قضية سياسية وطائفية ووطنية معقدة تجعل معالجته أكثر صعوبة بمرور الوقت.
بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف عام 1989، سارت الدولة اللبنانية في مسار واضح يقوم على حل الميليشيات وتسليم أسلحتها. وقد التزمت معظم القوى المسلحة ذلك، ولا سيما التنظيمات المسيحية التي أنهت وجودها العسكري وسلمت ترساناتها للدولة. يومها بدا أن لبنان يتجه نحو احتكار الدولة للسلاح، إلا أن استثناء واحداً كان كافياً لتغيير المشهد كله.
استُثني "حزب الله" من عملية نزع السلاح تحت عنوان مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. كان ذلك مفهوماً بالنسبة إلى كثيرين في تلك المرحلة، لكن ما جرى لاحقاً أن الاستثناء تحول تدريجاً إلى قاعدة ثابتة، فيما تراجع الحديث عن كونه وضعاً موقتاً مرتبطاً بظروف معينة.
من سلاح مقاومة إلى ضمان للطائفة
بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، اعتقد جزء من اللبنانيين أن ملف السلاح سيدخل تلقائياً مرحلة جديدة. لكن الحزب نجح في إعادة إنتاج مشروعية الاحتفاظ بترسانته من خلال عناوين متعددة، قبل أن يرسخ مع الوقت معادلة أكثر أهمية: ربط السلاح بموقع الطائفة الشيعية نفسها داخل النظام اللبناني.
هنا تكمن نقطة التحول الأساسية في التجربة اللبنانية. فالنقاش لم يعد محوره سلاح حزب سياسي أو تنظيم عسكري، بل ما إذا كان المس بهذا السلاح يشكل مساً بدور طائفة كاملة وبموقعها في معادلات القوة الداخلية. ومع ترسخ هذا الاقتناع داخل البيئة الحاضنة للحزب، بات أي حديث عن نزع السلاح يُقرأ من زاوية مختلفة تماماً عن تلك التي طُرحت بعد اتفاق الطائف.
منذ عام 2005، عُقدت عشرات جلسات الحوار الوطني. طُرحت أفكار الإستراتيجية الدفاعية، وتحدث رؤساء جمهورية وحكومة وقادة سياسيون عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، لكن شيئاً لم يتغير فعلياً على الأرض. السبب لم يكن غياب المعرفة أو المعلومات، بل غياب القدرة السياسية على تحويل هذه الطروحات إلى وقائع تنفيذية.
حتى بعد الحرب الأخيرة والتفاهمات التي تلتها عام 2024، لم يشهد لبنان عملية تسليم منظمة وشاملة لسلاح "حزب الله" إلى الدولة. ما جرى عملياً تمثل في انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة وإشرافه على مواقع ونقاط معينة، فيما بقيت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالترسانة العسكرية الأساسية من دون أجوبة واضحة.
الدولة تعرف لكن القرار غائب
في هذا السياق، تبدو إحدى أكثر الأفكار تداولاً في لبنان مضللة إلى حد كبير، وهي أن المشكلة كانت دائماً في معرفة مكان السلاح. في الواقع، لم تكن الدولة اللبنانية تجهل الكثير من الوقائع المرتبطة بالبنية العسكرية للحزب. المشكلة كانت ولا تزال في القرار السياسي وموازين القوى التي تحكم كيفية التعامل مع هذه الوقائع.
الأمر نفسه ينطبق على ملف السلاح الفلسطيني في المخيمات. فعلى الرغم من عشرات المبادرات والإعلانات السياسية التي تحدثت عن تنظيم السلاح أو ضبطه أو جمعه، بقيت معظم الخطوات ذات طابع رمزي وإعلامي أكثر منها إجراءات فعلية قادرة على إحداث تغيير جذري في الواقع القائم.
لذلك، عندما ينظر العراقيون اليوم إلى تجربتهم الخاصة، قد يكون من المفيد أن يعاينوا التجربة اللبنانية جيداً. فالسلاح يصبح أكثر صعوبة على المعالجة كلما طال الزمن وتحول إلى جزء من الهوية السياسية والاجتماعية لجمهوره. وعندما ينجح أي تنظيم في إقناع بيئته بأن سلاحه هو ضمان وجودها ودورها ومستقبلها، تصبح القضية أبعد بكثير من مجرد قرار حكومي أو إجراء أمني.
هذا تحديداً ما يقوله لبنان للعراق اليوم. فالمشكلة ليست في جمع السلاح، بل في منع تحوله إلى جزء من بنية النظام نفسه. أما إذا وصل الأمر إلى تلك المرحلة، فإن رحلة استعادته إلى كنف الدولة تصبح طويلة وشاقة، وقد تمتد لعقود، تماماً كما حدث في لبنان.