العراق أمام اختبار أمني نوعي... ضغط أميركي لنزع سلاح فصائل بارزة
في واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً داخل المشهد العراقي، تصاعدت خلال الأيام القليلة الماضية مؤشرات تتحدث عن وجود حراك سياسي وأمني فعلي يهدف إلى نزع سلاح عدد من الفصائل المسلحة المنضوية ضمن ما يعرف بـ"فصائل المقاومة". خطوة توصف بأنها قد تمثل تحولاً مفصلياً في شكل العلاقة بين الدولة العراقية والقوى المسلحة غير الرسمية، وسط ضغوط أميركية ودولية متزايدة لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وربط أي مشاركة سياسية مستقبلية لتلك الفصائل بمدى التزامها ملف تفكيك البنية المسلحة وتسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة إلى المؤسسات الرسمية.
وبحسب قول مصادر عراقية مطلعة لـ"النهار"، فإن "التحركات الحالية تشمل عدداً من الفصائل البارزة، في مقدمتها عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي، وحركة أنصار الله الأوفياء بقيادة حيدر الغراوي، وجند الإمام بزعامة أحمد الأسدي، فضلاً عن فصائل أخرى يجري الحديث عن شمولها ضمن ترتيبات لاحقة مرتبطة بآليات الدمج أو إعادة الهيكلة الأمنية".
تفاهمات قبل تشكيل الحكومة
وأوضحت المصادر المطلعة أن "عملية نزع السلاح تجري بإشراف مباشر من القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، ضمن تفاهمات سياسية معقدة تشكلت خلال مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، فواشنطن وضعت شروطاً واضحة تتعلق بملف السلاح والفصائل المسلحة مقابل القبول بمشاركة بعض تلك القوى في الحكومة، سواء عبر حقائب وزارية أم مناصب تنفيذية عليا".
وأشارت إلى أن "عصائب أهل الحق تعد من أبرز الأطراف المعنية بهذه التفاهمات، فهي، وفق الاتفاقات السياسية، ستحصل على وزارة العمل إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء، إلا أن منح تلك المناصب تم تأجيله إلى ما بعد استكمال إجراءات تسليم السلاح وإعلان الالتزام الرسمي بحصره بيد الدولة، في محاولة لتقديم ضمانات داخلية وخارجية بأن المشاركة السياسية لن تبقى مرتبطة بوجود أجنحة عسكرية فاعلة خارج إطار المؤسسة الأمنية الرسمية".
وكشفت المصادر أن "الترتيبات الجارية لا تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل تشمل حالياً اجتماعات وتحضيرات فنية ولوجستية وأمنية معقدة تتعلق بآليات الجرد والتسليم ومواقع الخزن ونقل الأسلحة، فضلاً عن وضع آليات رقابية تضمن عدم إعادة تدوير السلاح أو نقله إلى تشكيلات رديفة، والإعلان الرسمي عن هذه الخطوات يرجح أن يتم بعد عيد الأضحى، بالتزامن مع استكمال مراحل التفاهم الأولية بين الحكومة والفصائل المشمولة بالاتفاق".
وأكدت المصادر العراقية المطلعة أن "هذا الحراك يتم في ظل متابعة أميركية مباشرة للملف، إذ تضغط واشنطن باتجاه ضمان أن تكون عملية التسليم حقيقية لا شكلية، مع وجود تخوفات لديها من لجوء بعض الفصائل إلى تسليم أسلحة قديمة أو محدودة مع الاحتفاظ بترسانات أخرى بعيداً عن أعين الدولة، وهو ما دفع إلى طرح آليات رقابة ومتابعة مستمرة، بعضها يرتبط بجهات أمنية عراقية وأخرى عبر قنوات تنسيق دولية غير معلنة".
فصائل ترفض
في المقابل، لا يبدو أن جميع الفصائل العراقية تتجه نحو القبول بهذا المسار، إذ تؤكد المصادر لـ"النهار" أن "كتائب حزب الله" بزعامة أبو حسين الحميداوي، و"حركة النجباء" بقيادة أكرم الكعبي، ترفضان بوضوح أي مشروع لنزع السلاح، وتعتبران أن سلاح "المقاومة" يمثل جزءاً من معادلة الردع الإقليمية المرتبطة بالصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن كونه جزءاً من "حماية العراق" ومنظومة الأمن العقائدي المرتبطة بمحور إيران في المنطقة.
ويفتح هذا الانقسام الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن قدرة الحكومة العراقية على تنفيذ أي مشروع فعلي لحصر السلاح بيد الدولة، خصوصاً في ظل النفوذ السياسي والعسكري الكبير الذي تمتلكه تلك الفصائل، وتشابك مصالحها داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن، فضلاً عن الارتباطات الإقليمية المعقدة التي تجعل ملف السلاح أحد أكثر الملفات حساسية في العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم.
الخبير في الشؤون الاستراتيجية علي ناصر قال لـ"النهار"، إن "أي مسار فعلي لنزع سلاح الفصائل أو تنظيمه يتطلب بيئة سياسية مستقرة، وضمانات داخلية وخارجية، إضافة إلى توافق وطني واسع، ونجاح هذا المسار يرتبط مباشرةً بقدرة الحكومة على إدارة توازنات معقدة بين القوى السياسية والفصائل المسلحة ذات النفوذ الميداني والسياسي".
العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة
ورأى ناصر أن "أهمية هذا التحرك، في حال تحوله إلى خطوات تنفيذية، تكمن في كونه يمثل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة غير النظامية، وهو ما يعد أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة العراقية منذ عام 2003. فحصر السلاح بيد الدولة لا يرتبط بالجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى إعادة هيكلة موازين السلطة والنفوذ داخل مؤسسات الدولة نفسها".
وأضاف أن "التجارب السابقة في العراق تشير إلى أن مثل هذه الملفات غالباً ما تصطدم بعوائق سياسية وإقليمية وأمنية متداخلة، ونجاح أي خطة من هذا النوع يتطلب آليات رقابة صارمة، وضمانات دولية، وإرادة سياسية موحدة داخل بغداد، فضلاً عن معالجة المخاوف المتعلقة بمستقبل الفصائل ومواقعها داخل النظام السياسي".
وأكد ناصر أن "الضغوط الدولية، لا سيما الأميركية، تلعب دوراً مهماً في دفع هذا الملف إلى الواجهة، لكنها لا تكفي وحدها لإنجاحه ما لم يقترن ذلك بتوافق داخلي حقيقي، كما يجب الحذر من أن غياب هذا التوافق قد يؤدي إلى بقاء الملف في إطار التصريحات والتفاهمات غير المكتملة".
وختم بقوله إن "المرحلة الحالية تعد اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها الأمنية، كما أن الانتقال من مستوى النقاش السياسي إلى التنفيذ العملي سيبقى مرهوناً بتطورات المشهد الداخلي خلال الفترة المقبلة ومدى استعداد الأطراف للذهاب نحو تسوية شاملة".