العراق أمام أزمة خانقة في غاز الطبخ... طوابير طويلة وأسعار السوق السوداء عشرة أضعاف

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تتفاقم أزمة غاز الطبخ بشكل غير مسبوق في العراق، في مشهد يعكس عمق الاختلالات الخدمية والاقتصادية، لتصير مشكلة تموينية عابرة أزمة يومية تثقل كاهل المواطنين وتربك تفاصيل حياتهم المعيشية. 

 

ومنذ أسابيع تشهد المدن العراقية، ولا سيما العاصمة بغداد، طوابير طويلة أمام محطات التعبئة الحكومية الرسمية، حيث يضطر المواطنون إلى الانتظار لساعات طويلة أملاً بالحصول على أسطوانة غاز واحدة، مع تزايد الشكاوى من نقص المعروض وضعف آليات التوزيع وغياب المعالجات السريعة.

 

ومع اتساع فجوة العرض والطلب، انتعشت السوق السوداء بصورة لافتة، إذ قفزت أسعار أسطوانات الغاز إلى مستويات غير مسبوقة بلغت نحو عشرة أضعاف السعر الرسمي، ما جعل هذه المادة الأساسية بعيدة المنال بالنسبة لشرائح واسعة من ذوي الدخل المحدود. ويقول مواطنون إن الحصول على الغاز بات مرهوناً إما بالانتظار المرهق أمام المحطات، أو دفع مبالغ باهظة لا تتناسب مع دخولهم الشهرية، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأخرى.

 

وكان السعر الرسمي في المحطات 5500 دينار عراقي، أي ما يعادل ثلاثة دولارات، وتباع من قبل الوكلاء بـ8000 دينار، لكنها صارت تباع الآن في السوق السوداء بما يراوح بين 25 ألف دينار و30 ألفاً، أي ما يقارب الـ20 دولاراً.

 

كيف تتأثر أسواق العمل والمطاعم بأزمة الغاز؟

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الأسر العراقية فحسب، بل امتدت إلى القطاع الخدمي والتجاري، حيث اضطرت أعداد من المطاعم والمحال الغذائية، خصوصاً في بغداد، إلى تقليص ساعات عملها أو الإغلاق بسبب صعوبة تأمين الغاز اللازم للطهي والتشغيل. ويرى أصحاب هذه المشاريع أن استمرار الأزمة يهدد مصادر رزق آلاف العاملين، ويؤدي إلى خسائر مالية متزايدة، فضلاً عن تأثيره المباشر على حركة الأسواق والنشاط الاقتصادي المحلي.

 

وفي مقابل اتساع رقعة المعاناة، تتصاعد الانتقادات الشعبية إزاء ما يصفه مراقبون ببطء الاستجابة الحكومية، رغم التصريحات الرسمية المتكررة التي تؤكد قرب انفراج الأزمة واستقرار الإمدادات. إلا أن الواقع الميداني، لا يزال يعكس استمرار الاختناقات وغياب حلول ملموسة، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب الأزمة الحقيقية، سواء كانت مرتبطة بسوء الإدارة، أو مشكلات النقل والتجهيز، أو وجود شبكات احتكار تستفيد من اضطراب السوق.

 

عمال في معمل غاز. (النهار)

 

ماذا يقول نائب عراقي لـ"النهار" عن أزمة غاز الطبخ؟

يقول عضو لجنة النفط والغاز في البرلمان العراقي عدنان الجابري، لـ"النهار"، إن "أزمة غاز الطبخ التي تشهدها البلاد خلال الفترة الحالية تمثل مؤشراً خطيراً على حجم الخلل في إدارة الملف الخدمي. وعلى الحكومة والجهات المعنية التحرك الفوري لمعالجة الأزمة ووضع حد لمعاناة المواطنين الذين يضطرون إلى الانتظار لساعات طويلة أمام محطات التعبئة للحصول على أسطوانة غاز واحدة".

 

ويرى أن "ما يجري لا يمكن اعتباره أزمة طارئة أو موقتة، بل هو نتيجة مباشرة لضعف التخطيط وسوء إدارة ملف توزيع المواد الأساسية. واستمرار شح الغاز وارتفاع أسعاره في السوق السوداء يكشفان وجود ثغرات واضحة في منظومة الرقابة والمتابعة".

ويضيف أن "الأسعار المتداولة في السوق السوداء وصلت إلى مستويات مبالغ فيها، تجاوزت قدرة الكثير من العائلات العراقية، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، الأمر الذي زاد من الأعباء المعيشية على المواطنين في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات الأخرى".

 

وعن الإجراءات المطلوبة لمواجهة الأزمة، يشدد الجابري على أنه "من الضروري فتح تحقيق عاجل لمعرفة أسباب الأزمة الحقيقية، سواء كانت ناجمة عن ضعف الإنتاج المحلي، أو مشكلات النقل والتوزيع، أو وجود جهات تستغل النقص لتحقيق أرباح غير مشروعة عبر السوق السوداء، والبرلمان سيتابع هذا الملف بشكل جدي خلال الفترة المقبلة".

 

ويؤكد أنه "على الحكومة اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل زيادة الإطلاقات اليومية من الغاز، وتشديد الرقابة على منافذ التوزيع، ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار، فضلاً عن وضع خطة طوارئ تضمن انسيابية التجهيز ومنع تكرار الأزمة مستقبلاً، خاصة أن المواطن العراقي لم يعد يحتمل المزيد من الأزمات الخدمية. استمرار أزمة الغاز دون حلول سريعة وملموسة سيؤدي إلى تصاعد الغضب الشعبي واتساع حالة الاستياء في الشارع العراقي".

 

خبير في شؤون الطاقة يطرح تصوّره للحلّ

من جهته يقول الخبير في شؤون الطاقة عباس الشطري، لـ"النهار"، إن "أزمة غاز الطبخ التي يشهدها العراق تعود إلى مجموعة من الأسباب المتراكمة، في مقدمتها ضعف التخطيط المسبق لإدارة الطلب، والخلل في آليات التوزيع، فضلاً عن محدودية الخزين الاستراتيجي وعدم وجود إجراءات استباقية لمواجهة أي نقص طارئ في الإمدادات".

 

ويؤكد أن "تكرار أزمات الغاز في البلاد يكشف وجود مشكلات هيكلية في إدارة هذا الملف. والاعتماد على حلول موقتة عند حدوث الأزمة لا يعالج جذورها الحقيقية، بل يؤدي إلى اتساعها ويفتح المجال أمام المضاربة وارتفاع الأسعار في السوق السوداء".

 

ويكشف أنه "من أبرز أسباب الأزمة أيضاً وجود حلقات وسيطة غير منظمة بين مراكز التعبئة والمستهلك النهائي، ما يعرقل وصول المادة إلى المواطنين بالسعر الرسمي، إلى جانب ضعف الرقابة الحكومية على منافذ البيع، الأمر الذي يسمح للبعض باحتكار الكميات وبيعها بأسعار مضاعفة".

 

وتتفاوت آراء الخبراء بشأن آليات معالجة أزمة غاز الطبخ، لكن ثمة إجماع على وجوب التحرك سريعاً قبل استفحالها لما يمكن أن تخلّفه من تداعيات. 

 

 

متخصصون يحذّرون من التداعيات

ويحذر متخصصون من أن استمرار الأزمة دون تدخل عاجل وفعال قد يقود إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية أوسع، تشمل زيادة معدلات الفقر، وارتفاع أسعار الوجبات والمواد الغذائية، وتنامي حالة الاستياء الشعبي. 

وفي رأي الشطري أن "معالجة الأزمة تتطلب حزمة إجراءات عاجلة وأخرى طويلة الأمد، تبدأ بزيادة الكميات المجهزة للأسواق بشكل فوري، وتنظيم عملية التوزيع عبر البطاقة الإلكترونية أو المنصات الرقمية لمنع التلاعب، مع تكثيف الحملات الرقابية على المخازن والوكلاء ومحاسبة المتورطين بالاحتكار".

 

وتابع أن "الحلول الاستراتيجية تشمل التوسع في إنشاء محطات تعبئة حديثة، ورفع الطاقة الخزنية، وتطوير أسطول النقل، فضلاً عن تشجيع الاستثمار في قطاع الغاز السائل لضمان استقرار الإمدادات وتقليل الاختناقات المستقبلية".

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية