العدالة المجالية في التعليم

العدالة المجالية في قطاع التعليم بالمغرب: التعليم الأولي، المدرسة الجماعاتية، كآليات لتحقيق تكافؤ الفرص (إقليم بوعرفة–فجيج نموذجًا)

تُعد العدالة المجالية من المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها النموذج التنموي المغربي، لما لها من دور في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنين. وقد حظي هذا التوجه بتكريس دستوري صريح من خلال دستور المملكة المغربية 2011، كما تعزز بالتوجيهات الملكية السامية التي جعلت من التنمية المجالية المندمجة خيارًا استراتيجيًا لا محيد عنه.

وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة عيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025، على أنه:

“لقد حان الوقت لإحداث نقلة حقيقية، في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية… وندعو إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية، إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة…”

كما شدد جلالته على ضرورة تقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، خاصة في مجالي التربية والتعليم، بما يكرس العدالة المجالية ويصون كرامة المواطن.

وتأسيسًا على ذلك، يشكل قطاع التعليم مجالا حيويا لتنزيل هذه التوجيهات، من خلال اعتماد آليات عملية من قبيل تعميم التعليم الأولي، وتطوير المدرسة الجماعاتية، وتعزيز أنظمة الدعم الاجتماعي، خاصة المطعمة المدرسية وتحسين ظروف الإيواء.

إلى أي حد تسهم هذه الآليات في تحقيق العدالة المجالية في التعليم المدرسي؟

يشكل التعليم الأولي والمدرسة الجماعاتية من أهم الآليات التي اعتمدتها الدولة المغربية لتجسيد مبادئ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص في قطاع التربية والتكوين، وذلك بالنظر إلى الدور المحوري الذي يضطلعان به في الحد من الفوارق الاجتماعية والترابية وضمان الولوج المنصف إلى الحق في التعليم. فالتعليم الأولي لم يعد يُنظر إليه باعتباره مرحلة تمهيدية تسبق التعليم الابتدائي فقط، بل اصبح ركيزة أساسية في بناء الرأسمال البشري ومدخلًا استراتيجيًا لتحقيق الإنصاف التربوي منذ السنوات الأولى من حياة الطفل. وقد أثبتت الدراسات التربوية أن الأطفال المستفيدين من تعليم أولي ذي جودة يتمتعون بفرص أكبر للاندماج والنجاح الدراسي مقارنة بغيرهم، الأمر الذي يجعل من تعميمه وسيلة فعالة للحد من الفوارق الناجمة عن الانتماء الاجتماعي أو المجالي.

وفي هذا السياق، أولت السياسات العمومية بالمغرب أهمية متزايدة لتعميم التعليم الأولي، حيث اعتبرته الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 والقانون الإطار رقم 51.17 أحد المداخل الأساسية لتحقيق مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء الفردي والاجتماعي. كما ينسجم هذا التوجه مع الرؤية الملكية الرامية إلى تحقيق تنمية مجالية مندمجة تضمن استفادة جميع المواطنات والمواطنين من الخدمات الأساسية، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي. ذلك أن توفير وحدات التعليم الأولي بالمناطق القروية والجبلية والنائية يسهم في تقليص الفوارق الاجتماعية و المجالية بين الأطفال منذ مرحلة مبكرة، ويمنحهم فرصًا متكافئة لاكتساب التعلمات والكفايات الأساسية، بما يحد من مظاهر الإقصاء التربوي ويعزز أسس العدالة المجالية.

غير أن تحقيق هذه الغاية يظل رهينًا بمدى قدرة المنظومة التربوية على توفير عرض تربوي متكامل ومتكيف مع الخصوصيات المحلية، وهو ما يبرز أهمية المدرسة الجماعاتية باعتبارها نموذجًا تربويًا يترجم عمليًا مبادئ الإنصاف المجالي. فقد تم احداث المدارس الجماعاتية استجابة للإكراهات التي تعرفها العديد من المناطق القروية، خاصة ما يرتبط بتشتت الساكنة وضعف الكثافة السكانية وصعوبة الولوج إلى المؤسسات التعليمية. وتقوم فلسفة هذا النموذج على تجميع المتعلمين المنحدرين من عدة دواوير و الخيام كما هو الحال بإقليم فيجيج ومناطق متفرقة داخل مؤسسة تعليمية مجهزة توفر ظروفًا أفضل للتعلم، مع ضمان خدمات موازية تشمل النقل المدرسي والإيواء والإطعام، بما يسمح بتجاوز معيقات البعد الجغرافي والهشاشة الاجتماعية بالإضافة إلى صعوبات أخرى متعلقة بقساوة المناخ ..

وعلى مستوى أنماط تدبير الإطعام المدرسي، يطرح التمييز بين نظام المطعمة المدرسية ونظام صفقة الإطار إشكالية تتجاوز الجوانب التقنية والتنظيمية، لتلامس مدى ملاءمة كل نمط للخصوصيات المجالية ولمتطلبات الحكامة التدبيرية. فإذا كان دور مسير المصالح المالية والمادية في إطار نظام المطعمة المدرسية يتركز أساسًا في مهام التتبع والمراقبة والتأكد من احترام المتدخلين لالتزاماتهم التعاقدية وتحرير المخالفات ان لزم الأمر،فإن نظام صفقة الإطار يرتقي بهذا الدور إلى مستوى أعلى من المسؤولية، حيث يصبح المسير فاعلًا محوريًا في مختلف مراحل تدبير خدمة الإطعام المدرسي، بدءًا من التخطيط وتتبع التموين والتخزين والتوزيع، مرورًا بالمراقبة المالية والمحاسباتية، وصولًا إلى ضمان استمرارية الخدمة وجودتها لفائدة المستفيدين.

وتزداد جسامة هذه المسؤوليات بالأقاليم ذات الخصوصيات المجالية الصعبة، كما هو الشأن بالنسبة لإقليم بوعرفة–فجيج، الذي يتميز بشساعة مجاله الترابي وتباعد مؤسساته التعليمية وتعدد مراكز الاستفادة، مما يفرض على مسير المصالح المالية والمادية مواكبة ميدانية مستمرة، وتنسيقًا دائمًا مع مختلف المتدخلين، فضلًا عن تحمل مسؤوليات قانونية وإدارية ومالية دقيقة ترتبط بحسن تدبير المال العام وضمان انتظام خدمة الإطعام المدرسي.

ومن ثم، فإن نظام صفقة الإطار لا يمثل مجرد آلية لتدبير التموين أو عقلنة النفقات، بل يشكل نموذجًا تدبيريًا متكاملًا يقوم على تحميل مسير المصالح المالية والمادية أدوارًا استراتيجية تتطلب كفاءة عالية وجهدًا مضاعفًا وحضورًا ميدانيًا متواصلًا. لذلك، فإن منطق الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالتحفيز يقتضي إعادة النظر في وضعية هذه الفئة المهنية، من خلال إقرار تعويضات تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، ومع ما تفرضه طبيعة المهام من تنقلات ومواكبة ميدانية وخدمات إضافية تتجاوز الواجبات الإدارية الاعتيادية، خاصة في الأقاليم التي تفرض ظروفها الجغرافية والمجالية تحديات استثنائية في تدبير المرفق التربوي.

وبذلك، فإن تعزيز فعالية نظام صفقة الإطار او نظام المطعمة لا يمر فقط عبر تطوير آلياته التنظيمية والمالية، وإنما يقتضي أيضًا تثمين العنصر البشري المكلف بتدبيره، باعتباره الحلقة المحورية في ضمان استمرارية هذا المرفق الاجتماعي وتحقيق أهدافه المنصبة على المصلحة الفضلى للتلميذ .

ختاماً، يتضح أن تحقيق العدالة المجالية في قطاع التعليم بالمغرب يظل رهينًا بتعزيز آليات الإنصاف التربوي، وفي مقدمتها التعليم الأولي والمدرسة الجماعاتية، بما يضمن تكافؤ الفرص بين المتعلمين بمختلف المجالات الترابية. كما أن نجاح هذه الأوراش لا يرتبط فقط بتوفير الموارد والبنيات اللازمة، بل يقتضي أيضًا تثمين الموارد البشرية المكلفة بتدبيرها، وخاصة مسيري المصالح المالية والمادية، بالنظر إلى حجم المسؤوليات الجسيمة الملقاة على عاتقهم وما تتطلبه مهامهم من مجهودات تدبيرية وميدانية متواصلة. ومن ثم، فإن إقرار تحفيزات وتعويضات ملائمة لهذه الفئة يشكل مدخلًا أساسيًا لتعزيز الحكامة والرفع من جودة الخدمات الاجتماعية والتربوية، بما يخدم أهداف العدالة المجالية والتنمية المستدامة.

-باحث في سلك الدكتوراه – جامعة محمد الخامس السويسي – الرباط

The post العدالة المجالية في التعليم appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress