العبء الذهني لدى النساء: ضغطٌ لا يُرى ولا يتوقّف

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

 

كريستابيل نجم


لا تُقاس الضغوط التي تُواجهها النساء بعدد المهام التي يُنجزنَها فقط، بل بما يتحمّلنَه ذهنياً من تخطيط، متابعة واستباق لكلّ التفاصيل اليومية. فخلف الأعمال الظاهرة والتوقّعات المرتبطة بصورة المرأة المثالية، يستمر الجهد غير المرئيّ حتى في لحظات الراحة، لِيُبقي العقل بحالة انشغال دائم. 
ورغم تزايد الحديث عن الإرهاق النفسي، لا يزال جانب كبير من هذا العبء يُعامل بوصفه جزءاً طبيعياً من دورها، لا قضية تستدعي إعادة النظر في توزيع المسؤوليات داخل الأسرة والمجتمع، مع ما يرافق ذلك من تحدّيات اجتماعية واقتصادية متزايدة.  

 

 

ضغوط خفيّة تدفع النساء لِطلب الدعم 

توضح مهى نمّور، المنسّقة في "التجمّع النسائي الديموقراطي اللبناني RDFL"، أنّ الحالات التي تستقبلها المنظّمة في مراكزها المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية لا يكون طلب الدعم فيها مرتبطاً دائماً بحالة عنف مباشرة، بل غالباً ما يأتي بعد تراكم ضغوط متداخلة تبدأ بأشكال مختلفة من العنف والتمييز. 
وتمتدّ هذه الضغوط لتشمل الأعباء الاقتصادية، مسؤوليات الرعاية، صعوبات التربية والعلاقات الأسرية، إضافةً إلى تأثير النظام الأبوي، الموروثات الثقافية والقوانين التمييزية.
مع استمرار هذه العوامل وتداخلها، تتحوّل تدريجاً إلى أعباء نفسية تُثقِل حياة النساء وتُؤثّر في قدرتهنّ على التحمّل والمواجهة.  
تتفاقم هذه المعاناة خاصة لدى اللواتي يعشنَ أوضاعاً أكثر هشاشة ومن بينهنّ النازحات، إذ تفرض الحروب والنزوح عليهنّ أعباءً إضافية في ظلّ الخوف والقلق المستمرَّين، انعدام الأمان والظروف المعيشية الصعبة، ما ينعكس مباشرة على صحتهنّ النفسية والاجتماعية.
استجابةً لهذه التحدّيات، تُشير نمّور إلى أنّ الجمعية تُقدّم خدمات اجتماعية، نفسية وقانونية، تهدف إلى حمايتهنّ من العنف ومساعدتهنّ على مواجهة آثار النزوح والضغوط المتراكمة، إلى جانب نشر الوعي بحقوقهنّ، بما يُعزّز القدرة على استعادة الاستقرار. 
 يستوجب الحدّ من العبء الذهني لدى النساء مقاربة أشمل، تبدأ بتطوير القوانين والنظم، آليات الحماية وإقرار التعديلات المطلوبة على قانون تجريم العنف الأسري.
ترتبط هذه الخطوات بترسيخ المساواة في الأدوار الجندرية، بما يُخفّف من أعباء الرعاية، العمل غير المرئي ويحدّ من الانتهاكات والممارسات المجحفة بحقّهنّ. 

من المسؤوليّة إلى الاستنزاف النفسي 

ترى المعالجة النفسية باسكال ج. حوراني أنّ العبء الذهني لا يرتبط بعدد المهام التي تُنجزها المرأة خلال يومها، بل بالجهد المستمر الذي يبذله عقلها في التفكير، التخطيط، التنظيم، التذكّر واتّخاذ القرارات. 
فهو لا يقتصر على الأعمال المنزلية أو المهنية، بل يمتد إلى متابعة تفاصيل الحياة اليومية واستباق ما قد يحدث لاحقاً، ما يضعها في حالة يقظة ذهنية دائمة تستنزف طاقتها حتى بغياب أيّ مجهود جسدي. 
يتجاوز هذا العبء الجانب التنظيمي، ليشمل أيضاً بُعداً عاطفياً خفيّاً، يتمثّل في احتواء التوتر داخل المنزل ومراعاة مشاعر الآخرين وهي أعباء تستنزف المرأة نفسياً حتى إن لم تكن ظاهرة للمحيطين بها.  
يتغذّى جانب كبير من هذا الضغط على فكرة الكمالية والصورة المتوارثة للأم التي تُقاس قيمتها بقدرتها على التضحية والعطاء الدائم. فمنذ سنوات طويلة، ارتبط نجاحها بوضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاتها، ما جعل كثيرات يشعرنَ بأنّ أيّ تقصير، مهما كان بسيطاً، يُمثّل فشلاً في أداء دورهنّ. 
مع مرور الوقت، قد يقود هذا الثقل المتراكم إلى احتراق نفسي، يتجلّى في القلق المزمن، التفكير المفرط، اضطرابات النوم، صعوبة التركيز، النسيان، فقدان الطاقة والشعور بالذنب، إلى جانب تراجع القدرة على الاستمتاع بالأمور البسيطة التي كانت تمنحها الراحة سابقاً. 
يتضاعف هذا العبء في ظروف الحروب والنزوح، إذ لا تنشغل المرأة بتدبير احتياجاتها اليومية فقط، بل تتحمّل في الوقت نفسه مسؤوليّة حماية أطفالها، تأمين المأوى والغذاء والدواء والتأقلم مع فقدان المنزل أو مصدر الرزق، فيما يبقى الخوف من المجهول حاضراً باستمرار، ما يزيد من استنزافها النفسي. 
ترى حوراني أنّ المساندة النفسية والاجتماعية تُشكّل حاجة ملحّة للنساء في هذه الظروف، إلى جانب الدعم المادي، لما لها من دور في استعادة الشعور بالأمان والتعامل مع آثار التجربة الصعبة. 
تُظهر تقديرات دولية أنّ النساء يُؤدّينَ نحو 76% من أعمال الرعاية والأعمال المنزلية غير المدفوعة عالمياً، ما يعكس حجم الجهد الذي لا يزال يقع على عاتق كثيرات داخل الأسرة.
ففي ظلّ هذا الواقع، يُصبح الاعتراف بالعبء الذهني خطوة أساسية لفهم ما يعشنَه، لا بوصفه ضعفاً فردياً، بل نتيجةً لتراكم أعباء غالباً ما تبقى غير مرئيّة، تزداد حدّتها لدى اللواتي يُواجهن ظروفاً استثنائية. 
وبين متطلّبات العمل، الأسرة والسعي إلى الكمال، يبقى تقاسم المسؤوليات، إتاحة مساحة للراحة والاعتراف بهذا العناء، خطوات جوهرية لحماية الصحّة النفسية وتعزيز التوازن داخل المجتمع.


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية