العالم بحلّة حياديّة… هل تعبنا من الألوان الصاخبة؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

من الأبيض الذي يغزو السيارات الحديثة، إلى الرمادي الذي يطغى على الأبنية والبيج الذي يملأ المنازل والمقاهي وصفحات "إنستغرام"، يبدو العالم كأنّه يفقد ألوانه تدريجاً.

 

فبعد عقود من الجرأة البصرية والألوان الصاخبة، أصبحت الدرجات الحيادية تتحكّم بذوق العصر، من الأثاث والهواتف إلى التصاميم الداخلية والسيارات التي باتت تُطرح بمعظمها بالأبيض والأسود والفضّي.

 

هذا التحوّل لا يرتبط بالموضة فحسب، بل بثقافة "الحدّ الأدنى" والسعي إلى الهدوء وسط الإرهاق البصري وضغط الشاشات والإعلانات. لكن، لماذا أصبحت الألوان المحايدة تمنح الناس شعوراً بالراحة أكثر من الألوان القوية؟

 

 

 

ما هي علاقة الألوان بالراحة النفسية؟


في حديثٍ خاصّ الى "النهار"، أكّدت المعالجة النفسية آن - ماري يونس أنّ التوجّه المتزايد نحو الألوان الدافئة والمحايدة يرتبط نفسياً بحاجة الناس إلى الهدوء والشعور بالأمان والتخفيف من الضغط الذهني.

 

وقالت إنّ الإنسان المعاصر يعيش تحت تأثيرٍ دائم للشاشات والإعلانات والتنبيهات والتغيّرات البصرية السريعة، ما يجعل الدماغ في حالة استنفار مستمرة. لذلك، بات كثيرون يفضّلون الألوان التي تمنحهم شعوراً بالاستقرار والراحة والبساطة، بدلاً من الألوان القوية التي تتطلّب تنبهاً دائماً.

 

وعلى ما يبدو إنّ الألوان المحايدة الدافئة، مثل البيج والبني الفاتح ودرجات الطين و"الغريج"، تُعدّ أقلّ تحفيزاً من الألوان المشبعة، لكنها في الوقت نفسه أكثر دفئاً وإنسانية من الأبيض الحاد أو الرمادي البارد، ما يمنحها تأثيراً نفسياً متوازناً يجمع بين الراحة والدفء.

 

 

 

الألوان الصاخبة تستنزف الإنتباه

 

وبحسب يونس، فإنّ الألوان القوية قد تتحوّل مع الوقت إلى مصدر استنزاف بصري، خصوصاً في البيئات التي تتطلّب تركيزاً أو هدوءاً. لذلك، تساعد الدرجات المحايدة والدافئة على تخفيف الضغط العصبي وخلق مساحات أكثر هدوءاً، سواء في المنازل أو أماكن العمل أو حتى في التصميمات الرقمية.

 

ولفتت إلى أنّ الناس اليوم يبحثون عن بيئات تمنحهم القدرة على التركيز والاسترخاء في آن واحد، وهو ما تتيحه هذه الألوان التي لا تفرض حضورها بقوة، بل تخلق إحساساً بالسكينة والانسيابية.

 

الرفاهية الهادئة... موضة العصر الجديدة


في الحقيقة، لا يرتبط انتشار هذه الألوان بالراحة النفسية فقط، بل أيضاً بصورة الهوية العصرية التي تغيّرت في السنوات الأخيرة. فبدلاً من المبالغة في لفت الانتباه، أصبحت البساطة في ذاتها رمزاً للأناقة والنضج.

 

وترى يونس أنّ هذه الألوان توحي نفسياً بالثقة والاتزان والسيطرة الهادئة، وهو ما يفسّر ارتباطها بمفهوم "الرفاه الهادئ"  (Quiet Luxury)، أي الإحساس بالأناقة والرقي من دون استعراضٍ أو صخب.

 

كذلك ربطت انتشار الدرجات الترابية والحيادية بالحنين إلى الطبيعة، لأنّها تستحضر ألوان الأرض والخشب والحجر والإضاءة الطبيعية، ما يمنح الناس شعوراً بالارتباط بالأشياء الحقيقية والبسيطة، في زمن يزداد فيه الذكاء الإصطناعي والرقمي.

 

 

 

هل فقد العالم ألوانه؟


أخيراً، ورغم هيمنة الرمادي والبيج والأبيض على المشهد الحالي، لا يستبعد خبراء التصميم عودة الألوان القوية مستقبلاً، خصوصاً مع تغيّر المزاج العام واتجاه بعض الأجيال الجديدة إلى التعبير عن الفردية وكسر النمطية.

 

لكن حتى ذلك الحين، يبدو أنّ العالم اختار الهدوء البصري، لا لأنّه فقد حبّه للألوان، بل لأنّه يبحث عن مساحةٍ أقلّ ضجيجاً وسط عالم يزداد ازدحاماً كلّ يوم.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية