الطب يوحد المغرب وأمريكا في المستشفى العسكري الجراحي الميداني "الفيض"
في قلب جماعة “الفيض” بإقليم تارودانت بجهة سوس ماسة، ينتصب المستشفى العسكري الجراحي الميداني المقام على هامش “مناورات الأسد الإفريقي” لهذه السنة، كصرح تلتقي فيه صرامة الجندية برقة الإنسانية، وتَرسم فيه الكوادر الطبية وشبه الطبية وكذا الاجتماعية التابعة للقوات المسلحة الملكية وللجيش الأمريكي ملحمة من نوع خاص.
منذ خيوط الصباح الأولى، يتدفق المئات من المواطنين المنحدرين من داخل وخارج إقليم تارودانت للاستفادة من مختلف الخدمات الطبية والصيدلانية المجانية التي يقدمها هذا المستشفى الذي بدأ العمل قبل أكثر من أسبوعين، واستفاد من خدماته أكثر من 12 ألف شخص، منهم ما يقارب 2000 طفل وطفلة، وحيث تتوزع الخيام الطبية المجهزة بأحدث التقنيات، في مدينة صحية متكاملة أنشئت بتعليمات من الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، تجسيدا للأدوار الإنسانية لمؤسسة الجيش، التي تتجاوز حدود الثكنات لتلمس آلام المواطن وتُضَمِّد جراحه في أبعد نقطة من ربوع الوطن.

اللافت في هذا الفضاء الذي زارته جريدة هسبريس الإلكترونية، هو ذلك التناغم المهني الرفيع بين الأطباء والأطر الصحية المغربية وزملائهم من الجانب الأمريكي؛ إذ تلاشت الفوارق اللغوية والجغرافية لتفسح المجال أمام لغة الطب الموحدة، في مشهد يعكس ثقافة العمل الجماعي والتعاون المثمر بين الشركاء العسكريين في أرقى صورها.
لم يكن التواصل أبدا عائقا داخل هذا المستشفى الميداني، فالعسكريون المغاربة باختلاف رتبهم والمتواجدون بعين المكان لم يكتفوا بتنظيم الصفوف فقط، بل استثمروا إتقانهم اللغة الأمازيغية المحلية للتواصل مع الوافدين، خاصة فئة الشيوخ والنساء اللواتي لا يتقن “الدارجة”؛ إذ يشرحون المسالك ويبسّطون التعليمات والوصفات الطبية بلغة هذه الأرض، في رسالة مفادها أن القوات المسلحة الملكية هي ابنة هذا الشعب، تفهمه بعمق وتتحدث نبضه قبل لغته.

تخصصات مختلفة
في تصريح لهسبريس، قال الطبيب العقيد محمد كمال، الطبيب الرئيسي للمستشفى العسكري الميداني بجماعة “الفيض”، إنه “تنفيذا للتعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، أقامت القوات المسلحة الملكية المغربية، بتنسيق مع القوات الأمريكية، مستشفى عسكريا ميدانيا طبيّا وجراحيّا متعدد الاختصاصات، من أجل تقديم الخدمات الصحية والجراحية والوقائية لفائدة الساكنة المحلية والمناطق المجاورة، وذلك في إطار الأنشطة الإنسانية الموازية لتمرين الأسد الإفريقي”.
وأوضح المتحدث أن “هذا المستشفى يضم وحدات طبية وجراحية، وجناحا للعمليات الجراحية، ووحدات استشفائية بسعة 20 سريرا قابلة للتمديد حسب الحاجة الطبية، ووحدة للتعقيم الطبي، ووحدة رقمية للفحص بالأشعة، ووحدة للتحاليل الطبية، وجناحا لطب الأسنان، وصيدلية، ووحدة للمصالح الاجتماعية. كما يتوفر المستشفى أيضا على طاقم طبي وشبه طبي مكون من 286 إطارا مغربيا وأمريكيا و12 أخصائية اجتماعية”.
وأكد أن “المستشفى الذي شرع في تقديم خدماته الطبية في 20 أبريل إلى حدود اليوم، تمكن من تقديم أكثر من 30 ألف خدمة طبية، استفاد منها أكثر من 12 ألف شخص، وإجراء أكثر من 350 عملية جراحية، إضافة إلى تزويد أكثر من 1700 شخص بنظارات طبية لتقويم النظر بالمجان، كما استفاد أكثر من 7200 شخص آخر من الأدوية حسب الوصفات الطبية وبالمجان أيضا”.

تعاون مثمر
في سياق متصل، سجل المقدم ماركوس بلاكبيرن، طبيب الأطفال في القيادة الطبية للحرس الوطني بولاية “يوتا” الأمريكية، أن “القدوم إلى المغرب تجربة رائعة دوما؛ فالشعب المغربي يتميز بطيبة شديدة وحسن ضيافة”، مشددا على أن “التعاون مع الفرق الطبية المحلية مثمر للغاية؛ فالكوادر الطبية المغربية على قدر عالٍ من المعرفة، ونحن نتعلم معا أثناء تقديم العلاج للمرضى”.

وتوقع الضابط الأمريكي ذاته، في حديث لهسبريس، أن يصل عدد المرضى الذين سيستقبلهم هذا المستشفى العسكري الجراحي الميداني بجماعة “الفيض” إلى حوالي 20 ألف شخص بحلول نهاية تمرين “الأسد الإفريقي”، مبرزا أن “المستشفى يُجري عمليات جراحية دقيقة مثل عملية إزالة المياه البيضاء من العيون، بالإضافة إلى إجراء الجراحات الصغرى وتقديم الرعاية الصحية العامة، بما في ذلك الحالات الطارئة والمزمنة”.
وختم قائلا: “لقد حظينا هذا العام بفرصة استثنائية، حيث شهدنا ولادة طفل هنا وساهمنا في إنعاشه وتقديم الرعاية له، وذلك بتعاون مشترك بين القوات الأمريكية والمغربية”.

رعاية ومواكبة
من جهته، أكد الطبيب الملازم أول شكدالي مهدي، طبيب أمراض القلب والشرايين بالقوات المسلحة الملكية، أن “وحدة طب القلب والشرايين تعمل على رعاية طبية دقيقة وسريعة للوافدين على المستشفى من خلال تدبير الحالات المستعجلة وتتبع الأمراض المزمنة وفق أحدث المعايير الطبية”، مشيرا إلى “الحرص على التقييم المبكر لعوامل الخطر القلبية الوعائية من خلال علاج أمراض ارتفاع ضغط الدم، داء السكري واختلال نسب الكوليسترول في الدم، وذلك من أجل الحد من خطورة أمراض القلب والشرايين المتقدمة”.
وسجل الملازم أول شكدالي، في تصريح لهسبريس، أن “تجربة التواجد في هذا المستشفى العسكري الميداني الجراحي تمثل نموذجا متميزا للتعاون الطبي الدولي؛ إذ نشتغل جنبا إلى جنب بمعية زملائنا الأطباء الأمريكيين في بيئة مليئة بروح التعاون وتبادل المعارف وتعزيز الكفاءات”.

في سياق آخر، أكدت النقيب سارة عبا، من المصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية، أنه “إلى جانب الأنشطة المبرمجة في إطار تمرين الأسد الإفريقي لهذه السنة، ومن خلال القطب الاجتماعي، تساهم المصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية بشكل فعال في تنظيم وإرشاد المستفيدين نحو مجموعة من المصالح الطبية المتوفرة في المستشفى العسكري الميداني”.
وأوضحت النقيب سارة عبا، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “هذا الشيء يساعد في ضمان سلاسة التنظيم، فيما تقوم المؤطرات أيضا بتنظيم ومواكبة الأطفال أثناء استفادة ذويهم من مختلف الخدمات الطبية، من خلال الفضاء الخاص بهم المنشأ في هذا المستشفى العسكري الجراحي الميداني، وذلك عبر مجموعة من الورشات، كورشة الرسم وورشة الألعاب، وملعب كرة القدم”.

وأجمعت الشهادات التي باحت بها ألسنة عدد من المستفيدين من خدمات هذا المستشفى، الذين تحدثت إليهم هسبريس، على أن هذه المبادرة الإنسانية قد تجاوزت مجرد تقديم الرعاية الصحية لتصبح تجسيدا حيا لنبل المعاملة؛ إذ نوهت الساكنة المحلية بجماعة “الفيض” والنواحي بجودة الخدمات الطبية والجراحية المقدمة، وبمجانية الأدوية التي خففت الكثير من الأعباء عن كاهل الأسر.
The post الطب يوحد المغرب وأمريكا في المستشفى العسكري الجراحي الميداني "الفيض" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.