الطب بين الرسالة والإعلان: من يحمي المريض؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

شرف أبو شرف - نقيب الأطباء سابقاً

 

 

شهدت السنوات الأخيرة انفجاراً غير مسبوق في حضور الأطباء، ومنتحلي صفة الطبيب، على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي. وقد جاء هذا الحضور أحياناً بهدف التثقيف الصحي ونشر المعرفة، وهو أمر محمود وضروري، لكنه تحول في حالات كثيرة إلى وسيلة للإعلان التجاري، واستقطاب المرضى، وتسويق الأطباء أو المؤسسات أو المعدات أو الأدوية، حتى بات المواطن عاجزاً عن التمييز بين المعلومة الطبية المبنية على الدليل العلمي، وبين الرسائل الدعائية التي لا همّ لها سوى الربح السريع.

ومع غياب الرقابة الفاعلة، وضعف المحاسبة، وغياب الضوابط المهنية، سادت الفوضى، وأصبحت صحة الإنسان عرضة للتضليل، فيما تراجعت الثقة بالكلمة الطبية، وهي من أثمن ما يملكه الطبيب.
من هنا  دعت نقابة الأطباء في بيروت إلى ورشة عمل وحوار، جمعت المعنيين بالقطاع الصحي والإعلامي والقضائي، برعاية وزير الإعلام، لوضع أسس واضحة تنظم العلاقة بين النقابة والإعلام والتواصل الاجتماعي، بما يحفظ كرامة المهنة ويصون حق المريض في الحصول على معلومات علمية صحيحة.

لقد قامت ممارسة الطب، منذ أقدم العصور، على منظومة من القيم والأخلاقيات قبل أن تقوم على القوانين. فالصدق، والأمانة، واحترام الإنسان، وعدم استغلال ضعفه، وحفظ السر الطبي، كانت قواعد راسخة تعلّمها الطبيب في بيته ومدرسته وجامعته، ثم أقسم على احترامها عند دخوله المهنة. وعندما أصبحت هذه المبادئ عرضة للتجاوز، تدخل القانون ليحوّل الأخلاق إلى التزام قانوني يترتب على مخالفته مساءلة وتأديب.

وفي هذا الإطار، صدر عام 1992 قانون الآداب الطبية الذي عمل عليه النقيب الراحل الدكتور فؤاد البستاني، ثم جرى تحديثه لاحقاً خلال ولايتي الأولى في النقابة، بالتعاون مع رئيس لجنة الصحة النيابية آنذاك الدكتور عاطف مجدلاني، فأضيفت مواد عالجت المستجدات المتعلقة بالإعلام والإعلان والتطورات الطبية والاجتماعية، ولا تزال هذه النصوص تشكل الإطار القانوني الناظم للممارسة الطبية حتى اليوم.

وقد أكدت هذه المواد، باختصار، أن الطبيب ممنوع من اللجوء إلى أي إعلان مباشر أو غير مباشر بقصد اجتذاب المرضى، وأن كل ما ينشره يجب أن يقتصر على المعلومات العلمية الصحيحة البعيدة عن المبالغة أو الإغراء أو المنافسة غير الشريفة. كما أوجبت احترام كرامة المهنة، وعدم استغلال وسائل الإعلام أو شهرة الطبيب لتحقيق مكاسب تجارية، مع إخضاع المخالفين للمساءلة التأديبية.
وقد طبّق المجلس التأديبي في نقابة الأطباء هذه المبادئ بحزم لسنوات عدة ، فاتخذ بحق المخالفين عقوبات تراوحت بين التنبيه واللوم والتوقيف المؤقت عن ممارسة المهنة. وأسهم ذلك في ضبط الظهور الإعلامي للأطباء، بحيث كان الطبيب يراجع النقابة قبل أي مشاركة إعلامية، فتُوَجِّهه وتُراجع مضمون مشاركته عند الحاجة، حفاظاً على المستوى العلمي والمهني.

غير أن الانهيارات الاقتصادية والسياسية، وجائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت، وما رافقها من توسّع هائل في وسائل التواصل الاجتماعي، أعادت الأمور إلى نقطة الصفر، وأصبح كل شخص قادراً على مخاطبة آلاف الناس خلال دقائق، من دون مراجعة علمية أو رقابة مهنية أو مسؤولية قانونية واضحة.
إن الطبيب، سواء كان في عيادته أو في المستشفى أو في الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي، يبقى طبيباً. ولا يجوز أن تتغير أخلاقياته بتغيّر الوسيلة التي يخاطب الناس من خلالها. فرسالته ليست تسويق نفسه، ولا الترويج للمعدات التي يستخدمها، ولا الإعلان عن الأدوية التي يصفها، وإنما خدمة المريض وتقديم أفضل علاج قائم على العلم والضمير والخبرة.
فالكلمة الطبية ليست رأياً شخصياً، بل مسؤولية علمية وأخلاقية. وكل معلومة يقدمها الطبيب يجب أن تكون دقيقة، مثبتة بالأدلة العلمية، متوازنة، بعيدة عن التهويل أو إعطاء الوعود الكاذبة أو الإيحاء بنتائج مضمونة لا يستطيع العلم نفسه ضمانها. كما يجب أن يوضح دائماً المنافع والمخاطر والبدائل، احتراماً لحق المريض في اتخاذ القرار الحر والمستنير.
وفي المقابل، تختلف طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي جذرياً عن الممارسة الطبية. فهي تعتمد على سرعة الانتشار، واختصار المعلومات، والإثارة، وعدد المشاهدات، والخوارزميات التي تكافئ المحتوى الأكثر جذباً، لا الأكثر دقة. ولذلك تصبح المعلومة الطبية معرضة للتبسيط المخل، أو الاجتزاء، أو المبالغة، أو حتى التضليل.
والأخطر من ذلك أن المريض يتحول في كثير من الأحيان إلى "متابع" أو "زبون"، بدلاً من أن يبقى إنساناً يحتاج إلى تقييم سريري وفحص وتشخيص دقيق. فالقرار الطبي لا يصنعه مقطع مصوّر، ولا صورة قبل وبعد، ولا شهادة فردية، بل يصنعه التاريخ المرضي، والفحص السريري، والاستقصاءات العلمية، والخبرة الطبية.

كما أن الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما الشباب والمراهقون وكبار السن، هم الأكثر تأثراً بما يشاهدونه على هذه المنصات، وغالباً ما يصعب عليهم التمييز بين المعلومة العلمية والإعلان المقنّع، أو بين الطبيب المؤهل ومن ينتحل هذه الصفة.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو من أهم الإنجازات العلمية في عصرنا، ويمكن أن يقدم خدمات كبيرة في التشخيص المبكر، وتحليل الصور الطبية، والبحث العلمي، وإدارة المعلومات، ومساعدة الطبيب في اتخاذ القرار. لكنه يبقى أداة مساعدة لا يمكن أن تحل محل الطبيب، ولا أن تتحمل المسؤولية الأخلاقية أو القانونية أو الإنسانية.
فالذكاء الاصطناعي لا يسمع شكوى المريض، ولا يلمس خوفه، ولا يدرك ظروفه الاجتماعية والنفسية، ولا يستطيع أن يمنحه التعاطف أو المواساة أو الثقة. كما أن نتائجه تعتمد على نوعية البيانات التي يتلقاها، وقد تخطئ أو تنحاز أو تقدم معلومات غير مناسبة إذا استعملت خارج الإطار العلمي الصحيح.
لذلك، لا يجوز للطبيب أن يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإصدار تشخيص أو وصف علاج أو إعطاء استشارة نهائية من دون مراجعة علمية ومسؤولية شخصية كاملة. فالطبيب هو المسؤول الأول والأخير عن قراراته، ولا يستطيع أن ينقل هذه المسؤولية إلى برنامج أو منصة إلكترونية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي التنبه إلى الانتشار المتزايد للأشخاص الذين يقدمون خدمات علاجية أو تجميلية باستعمال أجهزة ومعدات طبية من دون أي مؤهل علمي أو ترخيص قانوني، ومن دون القدرة على معالجة المضاعفات عند حدوثها. وهنا يصبح الخطر مضاعفاً، لأن الضرر لا يقتصر على الخداع، بل قد يصل إلى إلحاق أذى دائم بصحة الإنسان.

إن المسؤوليات بين مختلف الجهات تتكامل:
فمسؤولية الطبيب هي المحافظة على كرامة المهنة، والالتزام بالأدلة العلمية، واحترام حقوق المريض، والابتعاد عن كل أشكال الدعاية المقنّعة أو تضارب المصالح.

ومسؤولية نقابة الأطباء تتمثل في تحديث الأنظمة، ومراقبة الأداء المهني، والتوعية المستمرة، ومحاسبة المخالفين، والدفاع عن سمعة المهنة، والتعاون مع وسائل الإعلام والسلطات المختصة.

أما وزارة الصحة، فعليها تشديد الرقابة على المراكز الصحية، والمعدات الطبية، والإعلانات الصحية، والتأكد من مؤهلات العاملين، ومنح التراخيص، وملاحقة كل من يمارس الطب أو الأعمال الطبية بصورة غير قانونية.

وللإعلام دور محوري لا يقل أهمية، إذ ينبغي أن يكون شريكاً في نشر الثقافة الصحية الصحيحة، لا منصة للإعلانات المقنّعة. كما يفترض به التحقق من صفة الضيف العلمية، وعدم تقديم منتحلي الصفة على أنهم خبراء، وعدم تحويل البرامج الصحية إلى منافسة تجارية بين الأطباء.

أما القضاء، فهو الضامن الأخير لتطبيق القانون، وردع المخالفات، وحماية المواطنين من الخداع والإعلانات المضللة، وضمان احترام الأحكام المتعلقة بممارسة المهن الصحية.
وفي قضايا الأخطاء الطبية بصورة خاصة، لا يجوز إصدار الأحكام عبر وسائل الإعلام قبل انتهاء التحقيقات العلمية والقضائية. فكم من طبيب تعرض للتشهير قبل أن تثبت براءته، وكم من قضية اتضح لاحقاً أنها كانت مختلفة تماماً عما صُوِّر للرأي العام. إن احترام قرينة البراءة، وانتظار رأي اللجان العلمية المختصة، يشكلان ضمانة للطبيب كما للمريض.

إن الطب ليس صناعة للمحتوى، ولا تجارة للمشاهدات، ولا سباقاً نحو الشهرة. إنه رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة، تقوم على العلم والرحمة والثقة. وإذا فقدت الكلمة الطبية صدقيتها، خسر الطبيب والمريض والمجتمع معاً.
إن تنظيم العلاقة بين الطبيب والإعلام، ووضع ضوابط واضحة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وتفعيل دور نقابة الأطباء ووزارة الصحة والقضاء، ليست إجراءات إدارية فحسب، بل هي ضرورة وطنية وأخلاقية لحماية صحة الإنسان، وصون كرامة المهنة، والمحافظة على الثقة التي لا يزال المجتمع يضعها في الطبيب، وهي الثروة الحقيقية التي يجب ألا تُفرَّط بها مهما تبدلت الوسائل وتطورت التقنيات.

              
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية