الطاقة المتجددة… كيف تعيد الصين تعريف الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين؟
د. كلير فخرالدين*
في السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه اليوم من موارد، بل بقدرتها على استباق تحولات الغد.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة التوسع الصيني الهائل في الاستثمار في الطاقة المتجددة باعتباره خياراً بيئياً أو برنامجاً اقتصادياً فحسب، بل باعتباره مشروعاً استراتيجياً لإعادة هندسة عناصر القوة الوطنية، وإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.
لقد أدركت بكين أن الحروب المقبلة لن تُحسم فقط في البحار أو على الحدود، بل أيضاً في أسواق الطاقة، وشبكات الكهرباء، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا المتقدمة. لذلك، انتقلت من منطق تأمين مصادر الطاقة إلى منطق أكثر طموحاً يتمثل في تحقيق السيادة على الطاقة، باعتبارها شرطاً لازماً للاستقلال الاقتصادي والقرار السياسي، وركيزة أساسية لاستمرار النمو في عالم يزداد اضطراباً.
فالتحولات الجيوسياسية التي يعيشها العالم اليوم، من النزاعات المسلحة إلى العقوبات الاقتصادية، ومن اضطراب أسواق النفط إلى تصاعد التنافس الأميركي–الصيني، كشفت هشاشة الاقتصادات التي تعتمد بصورة مفرطة على واردات الطاقة الأحفورية أو على الممرات البحرية القابلة للإغلاق أو التهديد. وهنا تحديداً بدأت الصين في إعادة صياغة معادلة الأمن القومي من جذورها.
لم يعد السؤال في بكين: كيف نؤمن النفط؟ بل أصبح: كيف نتحرر من الحاجة إليه؟
هذا التحول الفكري يفسّر التوسّع غير المسبوق في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وفي الاستثمارات الضخمة في البطاريات، والهيدروجين الأخضر، وشبكات الكهرباء الذكية، وأنظمة تخزين الطاقة، والذكاء الاصطناعي المخصص لإدارة الشبكات الكهربائية. فهذه ليست مشاريع منفصلة، بل أجزاء مترابطة من منظومة أمن قوميّ جديدة، ترى أن امتلاك التكنولوجيا والسيطرة على البنية التحتية للطاقة لا يقلّان أهمية عن امتلاك الجيوش والأساطيل.
وفي هذا السياق، تبدو الأرقام أكثر من مجرد مؤشرات اقتصادية؛ إنها تعكس فلسفة استراتيجية كاملة. فقد رفعت الصين أهدافها لزيادة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بأكثر من خمسين في المئة خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع استثمارات خارجية في مشاريع الطاقة النظيفة تجاوزت العشرين مليار دولار، في إطار بناء شبكة عالمية من الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية. إن هذه الأموال لا تُنفق على إنتاج الكهرباء فقط، بل على إنتاج النفوذ، وصناعة الاعتماد المتبادل، وتعزيز المكانة الصينية في الاقتصاد العالمي.
اقتصادياً، تُدرك الصين أن مستقبل المنافسة الدولية لن يكون قائماً على وفرة الموارد الطبيعية وحدها، بل على السيطرة على سلاسل القيمة العالمية. فمن يهيمن على تصنيع الألواح الشمسية، والبطاريات، والمعادن النادرة، والمحوّلات الكهربائية، والرقائق الإلكترونية المستخدمة في إدارة الشبكات الذكية، يمتلك في الواقع قدرة متزايدة على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي، تماماً كما كانت السيطرة على النفط تمنح النفوذ خلال القرن العشرين.
أما استراتيجياً، فإن كل محطة للطاقة الشمسية تُنشأ داخل الصين تعني تقليصاً تدريجياً للاعتماد على النفط المستورد، وكل بطارية تُنتج محلياً تعني تقليصاً لمخاطر الانقطاع، وكل شبكة كهرباء ذكية تُبنى تعني رفع قدرة الدولة على مواجهة الكوارث الطبيعية والهجمات السيبرانية والأزمات الجيوسياسية. وهكذا تتحول الطاقة المتجددة من قطاع اقتصادي إلى عنصر من عناصر الردع الوطني.
من هنا، لم تعد الطاقة النظيفة بالنسبة إلى الصين مشروعاً لمواجهة التغير المناخي فحسب، بل أصبحت مشروعاً لتحرير القرار السيادي. فالدولة التي تنتج الجزء الأكبر من احتياجاتها الطاقوية داخلياً تصبح أقل عرضة للضغوط الخارجية، وأقل تأثراً بتقلبات أسعار النفط، وأقل قابلية للابتزاز عبر العقوبات الاقتصادية أو إغلاق الممرات البحرية أو تعطيل سلاسل الإمداد.
لذلك، فإن بكين لا تستثمر في الطاقة الشمسية لأنها أرخص تكلفة فقط، بل لأنها تمنحها هامشاً أوسع من الاستقلال الاستراتيجي. إنها تستثمر في الشمس لأنها ترى فيها بديلاً للاعتماد، وبديلاً للهشاشة، وبديلاً للابتزاز الجيوسياسي.
قانونياً، ينسجم هذا التوجه مع التحول الذي يشهده القانون الدولي المعاصر، حيث لم يعد الأمن الطاقوي قضية اقتصادية محضة، بل أصبح جزءاً من مفاهيم الأمن الإنساني، والتنمية المستدامة، والحق في التنمية، والحق في بيئة سليمة، كما كرسته قرارات الأمم المتحدة واتفاق باريس للمناخ. لكن الصين تضيف إلى هذا البعد الحقوقي بُعداً سيادياً واضحاً؛ فهي تعتبر أن امتلاك التكنولوجيا والطاقة النظيفة يدخل في صميم الحق السيادي للدولة في حماية أمنها الاقتصادي وضمان استقرارها الوطني.
سياسياً، لا تنفصل هذه الرؤية عن مشروع الصين الأكبر لإعادة تشكيل النظام الدولي. فمن خلال الاستثمار في الطاقة المتجدّدة داخل حدودها، وتمويل مشاريع الطاقة النظيفة في الخارج، تعمل بكين على بناء شبكة نفوذ جديدة لا تقوم على القواعد العسكرية أو التدخلات التقليدية، بل على البنية التحتية، والتمويل، والتكنولوجيا، وربط الاقتصادات بشبكات إنتاج وتوزيع تقودها الصين. إنها ممارسة جديدة للقوة، يكون فيها الاقتصاد أداة للسياسة، والتكنولوجيا أداة للسيادة، والطاقة أداة لإعادة توزيع موازين النفوذ العالمي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. ففي الوقت الذي ما زالت فيه دول عديدة تتعامل مع الطاقة المتجددة بوصفها سياسة بيئية أو التزاماً مناخياً، تتعامل معها الصين باعتبارها مشروعاً للدولة، واستثماراً في المستقبل، وأحد أهم أعمدة أمنها القومي.
لقد كانت حقول النفط في القرن العشرين عنواناً للقوة؛ أما في القرن الحادي والعشرين، فقد تصبح شبكات الكهرباء الذكية، ومحطات تخزين الطاقة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والخلايا الشمسية، هي البنية التحتية الحقيقية للسيادة الوطنية.
ولهذا، فإن ما تقوم به الصين اليوم ليس انتقالاً من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة فحسب، بل انتقال من اقتصاد يعتمد على الطاقة إلى اقتصاد يمتلك الطاقة ويصنع تقنياتها ويقود أسواقها. إنها عملية إعادة صياغة لمفهوم القوة ذاته، حيث لم يعد النفوذ يقاس فقط بما تختزنه الدول تحت الأرض، بل بما تبتكره فوقها.
إن الصين لا تستثمر في الطاقة المتجددة لتربح معركة المناخ فقط، بل لتربح معركة القرن.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية