الصين وذكاؤها الاصطناعي... تحدي الهيمنة الأميركية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يُقال إن من يملك التكنولوجيا يملك النفوذ. واليوم، يبدو الذكاء الاصطناعي هو الساحة الأبرز التي تختبر فيها هذه المقولة. فبين الولايات المتحدة، التي استثمرت مئات مليارات الدولارات لبناء نماذجها الرائدة، والصين، التي تواصل تقليص الفجوة بوتيرة متسارعة، تتشكل ملامح منافسة لا تقتصر على الابتكار، بل تمتد إلى الاقتصاد والأمن وموازين القوة الدولية.

 

في هذا المشهد، تتعدد الملفات التي تعكس حجم القلق الأميركي من تسارع التقدم الصيني في الذكاء الاصطناعي، ومن بينها تقنية "التقطير" (Distillation)، التي أفردت لها وكالة بلومبرغ تقريراً تناول الاتهامات الأميركية بأن شركات ومختبرات صينية استخدمت، أو يُشتبه في استخدامها، هذه التقنية لتطوير نماذج منافسة بكلفة أقل، عبر الاستفادة من مخرجات النماذج الأميركية المتقدمة من دون موافقة أصحابها.

 

بحسب بلومبرغ، أنفقت شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية مئات مليارات الدولارات لتطوير نماذجها، على أمل استرداد هذه الاستثمارات عبر بيع خدماتها للعملاء. لكن هذه الاستراتيجية تواجه - وفق الشركات الأميركية - تحدّياً يتمثل في قدرة منافسين على بناء أنظمة مشابهة بكلفة أقلّ كثيراً، مستفيدين من تقنية التقطير.

 

تقوم هذه التقنية على تدريب نموذج ذكاء اصطناعي أصغر باستخدام مخرجات نموذج أكبر وأكثر تطوراً. فلا تنتقل المعرفة مباشرة بين النموذجين، بل يتعلم النموذج الجديد من الإجابات التي ينتجها النموذج الأصلي، ما يمكنه من محاكاة كثير من قدراته مع حاجة أقلّ إلى القدرة الحاسوبية وكلفة التطوير.

 

ولا يُعدّ التقطير ممارسة مرفوضة بحدّ ذاته، إذ يستخدم على نطاق واسع داخل الشركات لتطوير نماذجها الخاصة، أو بإذن أصحاب النماذج الأصلية لإنتاج تطبيقات غير منافسة. فهو يسمح بتطوير نماذج أصغر وأكثر كفاءة، وإن كانت أقل قدرة من النماذج التي استُخلصت منها.

 

لكن الجدل يبدأ عندما يُستخدم، وفق الاتهامات الأميركية، لتكرار قدرات نماذج مملوكة لشركات أخرى من دون موافقتها. وفي هذا السياق، اتهمت شركتا "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" عدداً من الشركات والمختبرات الصينية، من بينها "علي بابا" و"ديبسيك" وMiniMax، باستخدام هذه التقنية بصورة غير مشروعة، فيما تشير بلومبرغ إلى أن الشركات الصينية لم ترد على هذه الاتهامات.

 

وترى الشركات الأميركية أن الخطر لا يقتصر على خسارة جزء من عائداتها، بل يمتد إلى تقويض نموذجها الاقتصادي القائم على استرداد الاستثمارات الضخمة التي أُنفقت على مراكز البيانات والبنية التحتية. كذلك، تحذّر من أن استخدام التقطير من دون ضوابط قد يفضي إلى تطوير نماذج تُزال منها قيود السلامة، بما قد يفتح الباب أمام استخدامات غير قانونية أو خطرة.
ورغم هذه المخاوف، يلفت التقرير إلى أن إثبات وقوع ما يُعرف بـ"هجمات التقطير" ليس أمراً سهلاً، إذ تعتمد الأدلة - في أغلب الأحيان - على مؤشرات تقنية وتحليلات للبيانات الوصفية، وهو ما يجعل إثبات أن نموذجاً معيناً طُوِّر بهذه الطريقة مسألة معقدة.

 

شعار نموذج ديبسيك الصيني (مواقع)

 

أمام هذه المخاوف، بدأت القضية تتجاوز حدود الشركات إلى المستوى الرسمي في الولايات المتحدة. فتعمل شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية على تعزيز إجراءاتها لمواجهة ما تصفه بـ"هجمات التقطير"، من خلال تبادل المعلومات حول محاولات استخراج مخرجات نماذجها، وحظر المستخدمين المشتبه في استغلالهم لهذه التقنية.

 

في الوقت نفسه، أعلنت الإدارة الأميركية في نيسان/أبريل أنها ستتعاون مع القطاع الصناعي لبحث سبل الحدّ من هذه الممارسات ومحاسبة الجهات المتورطة فيها، فيما دعا أعضاء جمهوريون في مجلس النواب إلى فرض عقوبات على كيانات صينية يُشتبه في استخدامها التقطير على نطاق صناعي لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي منافسة.

 

وبذلك، تكشف قضية التقطير عن طبقة جديدة من الصراع بين الولايات المتحدة والصين في الذكاء الاصطناعي. فالمسألة لا تتعلق فقط بكيفية تدريب النماذج أو خفض تكلفتها، بل بقدرة الصين على تحدي السلطة التكنولوجية الأميركية، وبخوف واشنطن من أن يتحول تفوقها المكلف إلى معرفة يمكن استنساخها، أو الاقتراب منها، بكلفة أقل وفي زمن أقصر.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية