الصمت الأمريكي… تجميدٌ مستدام لملف الصحراء الغربية

لم يكن الصمت المطبق الذي خيّم على ردهات قضية الصحراء الغربية في أعقاب “لقاء مدريد” الأخير، مجرد ركود دبلوماسي عابر، بل تُرجم عمليا كإستراتيجية تفاوضية صارمة فرضتها الإدارة الأمريكية تحت ما يُعرف بـ”قانون الصمت”، فبعد الزخم الإعلامي والسياسي الذي رافق جولات الحوار الرباعي برعاية “مجلس السلام” التابع للبيت الأبيض، وتحديد المواعيد الحاسمة لشهري ماي وجوان من عام 2026، آثرت واشنطن سحب الملف بالكامل من دائرة الضوء والعلنية.
هذا التحوُّل من الاندفاع البراغماتي المقترن بـ”دبلوماسية التغريدات” والصفقات الخاطفة، إلى مربَّع التكتم الشديد والصمت الرئاسي والمستشاري الطويل، يعكس حجم الاستعصاء الذي واجهته المقاربة الأمريكية للأزمة. لقد اصطدمت طموحات الحسم السريع بصخرة الواقعية القانونية والشرعية الدولية التي تمثلها القرارات الأممية في قضية الصحراء الغربية، فضلا عن تمسك جبهة البوليساريو والمملكة المغربية بسقوف تفاوضية متناقضة هيكليًّا.
بناءً على هذا المشهد، يطرح هذا الصمت الممتد تساؤلا جوهريا: هل يمثل “قانون الصمت” الأمريكي مرحلة “هضم سياسي” لترتيب كواليس تسوية مستدامة بعيدا عن التشويش الإعلامي، أم أنه إعلانٌ ضمني عن تجميد الملف وإدراجه في قائمة الانتظار البارد أمام ملفات دولية أكثر سخونة وجـاذبية وإلحاحا؟
المقاربة الأمريكية لنزاع الصحراء الغربية، تمثل نموذجا حيا لصدام البنيوية السياسية بين منطق الصفقات البراغماتية وثوابت الشرعية الدولية، فمع صعود إستراتيجية قائمة على “خصخصة السياسة” وإدارة الملفات الإقليمية عبر مقايضات سريعة وضغوط ظرفية -تجسدت في دبلوماسية التغريدات ووعود الحسم الخاطفة- اعتقدت واشنطن أنه بإمكانها فرض واقع سياسي جديد يتجاوز تعقيدات العقود الماضية. إلا أن الاندفاع الأمريكي سُرعان ما اصطدم بالجدار الصلب للقانون الدولي والمتمثل في مرجعية الأمم المتحدة والقرار الأممي 2797، والذي يفرض مسارا تفاوضيا تشاركيا يضمن حق تقرير المصير ولا يمكن القفز عليه بقرارات أحادية.
إن هذا الاصطدام الهيكلي يفسِّر بوضوح حالة التراجع الراهنة من الاندفاع العلني إلى “قانون الصمت” والتكتم الشديد؛ إذ أدرك صُناع القرار في البيت الأبيض ومستشاروهم أن ملف الصحراء الغربية ليس مجرد صفقة تجارية قابلة للتمرير السريع، بل نزاع دولي تحكمه توازنات إقليمية دقيقة ومواثيق قانونية راسخة لا تملك حتى القوى العظمى القدرة على إلغائها بجرة قلم.
بناءً على هذا المعطى، يصبح البحث في هذا الصدام وسيلة لتفكيك عجز المقاربات المصلحية العابرة أمام عدالة النظم القانونية الدولية وقوّتها.
ولمزيد من المتابعة والتحليل حول تفاصيل كواليس طاولة المفاوضات والإنزال الدبلوماسي الذي جرى في بيت سفير الولايات المتحدة في مدريد، يمكن تصور ذلك اللقاء الذي يستعرض تفاصيل التحضيرات الدبلوماسية الدقيقة للجلسات الرباعية والظروف السياسية المعقدة التي أحاطت بانطلاقها برعاية أمريكية، وأممية أيضا.
إن هذا الاصطدام الهيكلي يفسِّر بوضوح حالة التراجع الراهنة من الاندفاع العلني إلى “قانون الصمت” والتكتم الشديد؛ إذ أدرك صُناع القرار في البيت الأبيض ومستشاروهم أن ملف الصحراء الغربية ليس مجرد صفقة تجارية قابلة للتمرير السريع، بل نزاع دولي تحكمه توازنات إقليمية دقيقة ومواثيق قانونية راسخة لا تملك حتى القوى العظمى القدرة على إلغائها بجرة قلم.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post الصمت الأمريكي… تجميدٌ مستدام لملف الصحراء الغربية appeared first on الشروق أونلاين.