“الصمايم”… تقويم فلاحي يعكس حكمة الأجداد

تُشكل فترة “الصمايم” أو “السمايم”، إحدى أبرز المحطات المناخية والثقافية في التقويم الفلاحي والموروث الشعبي بأقاليم توات، وتيدكلت، وقورارة بولايتي أدرار وتيميمون. تبدأ هذه الفترة المناخية الأشد حرارة في 25 من شهر جويلية وتستمر لأربعين يوماً متواصلة لتنتهي في 02 سبتمبر، متداخلة مع منازل فلكية وفلاحية معروفة كـ”الطرِفة”، “الجَبهة”، “الخَرِتان”، و”الصَّرفة”.
وقد اشتقّ الأجداد تسمية “الصمايم” من لفظ “السموم”، وهي الرياح الحارة والجافة التي تخترق مسام الجسم، غير أن سكان هذه القصور لم يروا فيها مجرد ظاهرة مناخية قاسية، بل حولوها عبر التاريخ إلى موسم لنضج خيرات الأرض، ونموذج فريد للعيش والتكيف، يزاوج بين الحكمة التقليدية ومعطيات العصر، وقد تجسد هذا التكيف قديماً في المعمار الصحراوي الذي حقق تناغماً تاماً مع الطبيعة؛ حيث بُنيت القصور وأنجزت البساتين باستخدام الطين والجص وجذوع النخيل، وهي مواد محلية توفر عزلا حرارياً عالياً، يُبقي الغرف باردة في ذروة القيظ. وصُمّمت الأزقة بشوارع ضيقة ومسقوفة جزئياً بالنخيل لتوليد ظلال دائمة وتيار هوائي مستمر يلطف درجات الحرارة، بينما اعتمدت المنازل على الأفنية الداخلية المفتوحة نحو السماء لتسريب الهواء الحار ليلا وسحب الهواء البارد، مع تقليل النوافذ الخارجية لمنع دخول رياح “السموم”. وواكب هذا البناء نظام “الفقارات” المائي المعجز، حيث تنساب المياه الجوفية الباردة تحت الأرض في قنوات مغطاة تجنباً للتبخر، لتعبر بساتين النخيل التي شكلت غطاء شجرياً ثلاثي الطبقات، يكسر حدة الأشعة الشمسية ويخفض حرارة الواحة بشكل ملموس، ولم تكن “الصمايم” بالنسبة لفلاحي قصور المنطقة فترة خمول تام، بل مثلت مرحلة مفصلية وضرورة طبيعية لإنضاج مختلف أصناف التمور والفواكه الصيفية، كالعنب والتين تمهيداً لعمليات الجني. كما شاع لدى الفلاحين اختيار هذه الفترة بالذات لحفر الآبار واستكشاف المياه وتنظيف الفقارات وترميمها، انطلاقاً من قاعدة مجربة، مفادها أن المياه إذا جادت وظهرت في أوج فترة الجفاف وشدة الحرارة، فإن تدفقها واستمرارها يكون مضموناً طوال باقي فصول السنة.
وفي المقابل، تُعد “الصمايم” فترة استراحة نسبية يُتجنب فيها الحرث والزرع الشاق لتفادي الإنهاك، تحسباً لانطلاق الموسم الفلاحي الجديد مع بداية منزلة “أكتوبر”، وقد اختزلت الذاكرة الشعبية والموروث الشفهي المتوارث هذه الحكمة البيئية والوقائية في أمثال وحكم سارت بها الركبان، كقولهم المشهور: “حيطك عسو… ودهانك لا دسو… وخروفك لا تجسو… وولدك لا تمسو”.
وتتضمن هذه الوصية الشعبية قواعد صحية وجليلة؛ فـ”حيطك عسو” تدعو إلى تفقد شقوق الجدران حذراً من العقارب والحشرات السامة التي تتسرب للبيوت بحثاً عن الظل والرطوبة، و”دهانك لا دسو” تحث على استهلاك الزبدة والألبان مباشرة ومنحها للأطفال وعدم ادخارها للتخزين، و”خروفك لا تجسو” تنهى عن جز صوف الماشية في ذروة القيظ، لأنه يشكل درعاً طبيعياً يقي الجسد من أشعة الشمس، بينما توصي عبارة “ولدك لا تمسو” باجتناب العمليات الجراحية الممكن تأجيلها كالحجامة والختان لبطء التئام الجروح في شدة الحر.
كما قارن المخيال الشعبي بين تقلبات الفصول في قولهم: “خروج الليالي نعايم، وخروج الصمايم نقايم”، إشارة إلى أن انقضاء برد الشتاء الشديد (الليالي) يتبعه الربيع والخير، بينما يعقب خروج “الصمايم” الإرهاق وتراجع الموارد المائية، وامتدت هذه الحكمة إلى النمط الاجتماعي اليومي، حيث كان السكان يؤجلون الأعمال الشاقة كصيانة الفقارات إلى ساعات الفجر الأولى أو أوقات الأصيل، ويتفرغون للراحة ظهراً في أبرد أجزاء البيت الطيني، مع ارتداء الأقمشة القطنية الخفيفة والواسعة كـ”الشاش” لحماية الرأس، والاعتماد على غذاء متوازن يعوض السوائل والأملاح كاللبن والتمور والمشروبات العشبية الخفيفة.
ومع التحول الحضري وازدهار المدن الحديثة في أقاليم توات وتيدكلت وقورارة، امتزجت هذه الحكمة الموروثة بأسباب الحياة العصرية. فقد أصبحت أجهزة التكييف المائي والغازي جزءاً لا يستغنى عنه لمواجهة الحر الشديد، كما أُدخلت تقنيات العزل الحراري في البناء الحديث، مع الالتزام بطلاء الواجهات بالألوان الترابية والبيضاء للحد من امتصاص الأشعة الشمسية.

الفقارات… إرث حضاري
وفي المجال الزراعي، واصل السكان الحفاظ على الفقارات كإرث حضاري، بالتوازي مع إدخال التقنيات الحديثة والمحيطات الفلاحية الكبرى التي تعتمد على الآبار الارتوازية العميقة ونظم الري المحوري والرش، مما يضمن استدامة المحاصيل وحمايتها من التبخر. واجتماعياً، تم تكييف أوقات العمل الإداري والميداني من خلال اعتماد “التوقيت الصيفي الصحراوي” الذي يكون فيه النشاط في الصباح الباكر، إلى جانب توسيع المساحات الخضراء، وإنشاء المسابح والمراكز المغلقة لتوفير متنَفس للساكنة والأطفال خلال العطلة الصيفية، وهكذا يواصل سكان قصور أهل توات وقورارة وتيدكلت، رسم أروع صور الاستجابة المرنة مع قسوة البيئة، محولين شدة “الصمايم” إلى موسم للإنتاج وعطاء الواحات، بالاعتماد على رصيد الأجداد واستثمار معطيات العصر الحديث.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post “الصمايم”… تقويم فلاحي يعكس حكمة الأجداد appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk