الصراع محتدم على المعادن النادرة... والصين تهدد العالم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

على الجبهة الأشد حساسية اليوم في الحروب التجارية، تمسك الصين بصمامٍ صغير قادر على إيقاف مصانع السيارات والطائرات والأسلحة وأجهزة الذكاء الاصطناعي: العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة. فحتى منتصف تموز/يوليو 2026، تجاوزت المخاوف من استخدام بكين هذه المواد سلاحاً اقتصادياً مستوى السيناريو النظري، إذ تحولت القيود الصينية إلى نقص فعلي في الأسواق، وتوقف جزئي للإنتاج، وارتفاعات استثنائية في الأسعار. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن التطبيق الكامل للقيود الصينية "قد يعرّض إنتاجاً صناعياً خارج الصين بقيمة 6.5 تريليونات دولار سنوياً للخطر".

 

بلغ الإنتاج العالمي من العناصر الأرضية النادرة نحو 390 ألف طن في 2025، وأنتجت الصين منها 270 ألف طن، أي نحو 69%. كما تمتلك بكين نحو 44 مليون طن من الاحتياطيات من إجمالٍ عالمي يتجاوز 75 مليوناً، بنحو 59%. لكن السيطرة الصينية الأخطر في المصانع: فقد كانت بكين مسؤولة عن نحو 85% من عمليات الفصل والتكرير العالمية في 2025، بعدما تجاوزت حصتها 90% في 2023. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين تتصدر عمليات تكرير 19 معدناً من أصل 20 معدناً استراتيجياً شملها تحليلها، بمتوسط حصة 70%. لذلك، قد يُستخرج الخام في الولايات المتحدة أو أستراليا، ثم يُرسل إلى منشآت تشغلها الصين لفصله وتحويله إلى أكاسيد وسبائك ومساحيق ومغناطيس دائم... وهذه الحلقة الوسطى هي مكمن القوة الحقيقي. 

 

القيود تتسع خطوة خطوة
منذ 2023، بدأت الصين بتوسيع منظومة الرقابة على صادرات المعادن والمواد الاستراتيجية، حتى تضاعف عدد رموز السلع المعدنية الخاضعة لقيودها بنحو ثلاث مرات. وشملت الإجراءات الغاليوم والجرمانيوم والغرافيت والأنتيمون، ثم انتقلت إلى جبهة أوسع من المعادن النادرة. وفي شباط/فبراير 2025، فرضت بكين رقابة على 25 منتجاً وتقنية مرتبطة بخمس مجموعات معدنية هي التنغستن والتيلوريوم والبزموت والموليبدينوم والإنديوم. وبررت وزارة التجارة الصينية الخطوة بأن المواد مزدوجة الاستخدام، وأن منتجاتها النهائية قد تدخل في تطبيقات عسكرية.

 

وجاء التصعيد الأهم في 4 نيسان/أبريل 2025، عندما أخضعت الصين سبعة عناصر أرضية نادرة متوسطة وثقيلة لنظام التراخيص: الساماريوم، والغادولينيوم، والتربيوم، والديسبروسيوم، واللوتيتيوم، والسكانديوم، والإيتريوم. وشملت الرقابة الأكاسيد والسبائك والمساحيق والمغناطيسات الدائمة المحتوية على المعادن. وأصبح على المصدّر الحصول على ترخيص حكومي وتقديم معلومات عن المنتج والمستخدم النهائي والغرض منه.

 

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وسعت قيودها لتشمل خمسة عناصر إضافية ومنتجات مصنعة خارجها تحتوي على مواد صينية أو تستخدم تقنيات صينية. عُلّق تطبيق التوسعة عاماً، حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2026، لكن قيود أبريل بقيت قائمة، كما شددت في كانون الثاني/يناير 2026 الضوابط على السلع المزدوجة الاستخدام المتجهة إلى اليابان.

 

تقول بكين إن الإجراءات قانونية وضرورية للأمن القومي ومنع الانتشار العسكري، وإن طلبات الاستخدامات المدنية المطابقة للقواعد تحصل على تراخيص. غير أن الشركات الغربية ترى أن بطء الموافقات وانتقائيتها يمنحان الصين قدرة على التحكم بالوجهة والكمية والتوقيت، من دون إعلان حظر شامل يمكن الطعن فيه بسهولة.

 

الخنق الانتقائي أشد فاعلية من الحظر
تكمن الخطورة الصينية في أنها لا تغلق الصادرات تماماً: قد تبدو الأرقام الإجمالية طبيعية، بينما تنخفض صادرات العناصر الأكثر أهمية إلى دول أو قطاعات محددة. ففي خلال السنة التالية لقيود أبريل 2025، بقيت صادرات الإيتريوم والديسبروسيوم والتربيوم أقل بنحو 50% من مستوياتها السابقة. وحصلت اليابان على نحو 4% فقط من كمية الديسبروسيوم التي كانت تستوردها سابقاً، فيما لم تحصل ألمانيا على أي شحنات منه. أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الديسبروسيوم والتربيوم خارج الصين بين أربعة وخمسة أضعاف، بينما قفز سعر الإيتريوم في بعض المعاملات إلى نحو 140 ضعفاً، وأصبح المصنعون يدفعون للمغناطيسات النادرة أسعاراً تزيد نحو ثلاث مرات على مستويات ما قبل القيود.

ويستخدم الديسبروسيوم والتربيوم لتقوية مغناطيس النيوديميوم والمحافظة على أدائه في درجات الحرارة المرتفعة، فيما يدخل الإيتريوم في الطلاءات الحرارية التي تحمي شفرات توربينات الطائرات. لذلك اضطرت شركات طيران أميركية إلى تعليق بعض الإنتاج موقتاً، بينما خفضت شركات سيارات معدلات التشغيل أو أوقفت خطوطاً لفترات قصيرة. وقال مجلس الأعمال الأميركي–الصيني إن الحصول على بعض المعادن بات "شبه متعذر". وأظهر مسح شمل الشركات المتضررة أن 29% بدأت بالفعل بالانتقال إلى موردين من خارج الصين، بينما تبحث 47% عن بدائل من دون أن تجد حتى الآن خياراً صالحاً، وفقاً لـ "رويترز".

 

الغرب يردّ… ولكن ببطء
تقدر وكالة الطاقة الدولية أن التطبيق الكامل للضوابط الصينية قد يعرّض أكثر من 3 تريليونات دولار من إنتاج قطاع السيارات خارج الصين للخطر، فضلاً عن الإلكترونيات والطيران والقطارات والدفاع ومراكز البيانات. وتتجاوز درجة تعرض كل من الولايات المتحدة وأوروبا 1.5 تريليون دولار. كما قد يؤدي انقطاع الغرافيت المخصص للبطاريات إلى تهديد إنتاج إضافي يتجاوز 300 مليار دولار سنوياً.

 

بدأت الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وأستراليا سباقاً لبناء سلسلة توريد "من المنجم إلى المغناطيس". وارتفعت التزامات التمويل الحكومي في الاقتصادات المتقدمة إلى نحو 65 مليار دولار في 2025، أي أكثر من أربعة أمثال مستواها في 2023. وقدمت وزارة الدفاع الأميركية قرضاً بقيمة 150 مليون دولار الى شركة MP Materials لتطوير قدرات فصل العناصر النادرة الثقيلة في كاليفورنيا، إلى جانب خطط لإنشاء احتياط استراتيجي أميركي للمعادن الحرجة بدعم قد يصل إلى 12 مليار دولار، بحسب تقرير صادر عن وزارة الحرب الأميركية. أما الاتحاد الأوروبي، فيستهدف بحلول 2030 استخراج 10% من احتياجاته، ومعالجة 40%، وإعادة تدوير 25%، وألا يعتمد في أي مادة استراتيجية على دولة واحدة بأكثر من 65%. كما أطلقت مجموعة السبع خطة لتنويع الإنتاج، وتحسين التخزين وإعادة التدوير وتمويل المشروعات البديلة.

 

صورة تعبيرية (مواقع)

 

لكن الفجوة لا تزال كبيرة. فبحلول 2035، قد تغطي القدرات القائمة والمعلنة خارج الصين نحو 50% فقط من الطلب على التعدين، و25% من التكرير، وأقل من 20% من المغناطيسات. وتحتاج الدول المستوردة إلى استثمارات تقارب 60 مليار دولار خلال العقد المقبل.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية