"الصدمة الصامتة": الصحافيون بعد الحرب… حين تنتهي التغطية ويبدأ الألم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم تنتهِ الحرب فعلياً بالنسبة إلى كثير من الصحافيين الذين غطّوا وقائعها يوماً بيوم. فمع انحسار القصف، تبدأ مواجهة من نوع آخر: مواجهة مع الذاكرة، مع الصور التي لا تُمحى، ومع ضغط نفسي يتراكم بصمت. خلف الكاميرات والميكروفونات، يحمل هؤلاء قصصاً شخصية لا تقلّ قسوة عمّا نقلوه إلى العالم.

لا تنتهي الحروب بانحسار القصف، بل تبدأ آثارها الأعمق في ذاكرة من عاشوها. بالنسبة إلى الصحافيين، تتحوّل التجربة إلى عبء داخلي مستمر، حيث تختلط صور الدمار بضغط نفسي متراكم. وبين نقل الحقيقة وتحمّل كلفتها، تبقى آثار الحرب حيّة في داخلهم، كندوب لا تُرى لكنها لا تزول.

 

بين الواجب المهني والندوب النفسية 

يصف الصحافي في وكالة "فرانس برس" ربيع يونس لـ"النهار" تجربته خلال تغطية الحرب بأنّها "قاسية ومليئة بالتحديات"، لكنّها كانت في الوقت نفسه مدفوعة "بشعور عميق بالمسؤولية لنقل الحقيقة".

غير أنّ لحظة واحدة لا تزال عالقة في ذاكرته. يروي: "عندما دخلت إلى أحد المنازل المدمّرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وجدت صورة لعائلة صغيرة. لاحقاً علمت أنّ أفراد هذه العائلة كانوا تحت الأنقاض".

لم يكن الضغط النفسي، بالنسبة إلى يونس، تفصيلاً عابراً، بل جزءاً من الروتين اليومي، وقد "ترك أثراً واضحاً على صحتنا الجسدية والنفسية"، على حدّ قوله، مشيراً إلى معاناته من ارتفاع ضغط الدم نتيجة التوتر، من دون أن يدفعه ذلك إلى التراجع عن أداء واجبه المهني.

ومع ذلك، لا يبدو أنّ الحرب انتهت بالنسبة إليه بعد، إذ يقول: "سأشعر بأنّها انتهت فعلاً عندما يغادر آخر جندي إسرائيلي الأراضي اللبنانية".


استهداف مبنى سكني في حارة حريك – الضاحية الجنوبية (حسام شبارو).



حين يصبح الجسد ذاكرة 

تأخذ تجربة مراسل "الجزيرة مباشر" جواد شكر بُعداً أكثر قسوة، بعدما وجد نفسه في مواجهة مشاهد لم يختبرها سابقاً خلال مسيرته المهنية.

يستعيد شكر لحظة بقيت عالقة في ذاكرته من تغطيته للغارة على بلدة أيطو في شمال لبنان خلال حرب 2024، حين كانت المرة الأولى التي يرى فيها جثامين شهداء عن قرب ويختبر قسوة المشهد بحواسّه.

يقول لـ"النهار": "كانت أول مرة أرى فيها جثامين شهداء وأشمّ رائحة الدم. خلال البث المباشر، كنت منشغلاً، وإذا بالناس ينبّهونني إلى أنني أدوس على جثمان شهيد من دون أن أنتبه".

لم تكن تلك اللحظة مجرّد مشهد عابر بالنسبة إليه، بل بقيت حاضرة في ذاكرته، فيما لا يزال اليوم يعيش أجواء الحرب من قلب الميدان، إذ يواصل تغطيته في جنوب لبنان. فبالنسبة إلى شكر، لم تنتهِ التجربة بعد، لأنّ تفاصيل الحرب ما زالت تُعاش يومياً أمام عينيه.

ورغم ارتباطه العميق بالمهنة وشغفه بها، يقرّ شكر بأنّ المشاهد التي واجهها خلال التغطية كانت "صعبة جداً"، وأنّ "الضغط النفسي لم يكن نابعاً فقط من مشاهد الدمار، بل أيضاً من الاحتكاك اليومي بمعاناة الناس". يقول: "كنت أعيش الألم مع الأهالي، كانوا يطلبون أبسط الأمور ولم نكن قادرين على تأمينها".

ومع استمرار التغطية وتراكم القصص الإنسانية، يؤكد شكر أنّ "العودة إلى الحياة الطبيعية لم تكن سهلة، بل إنّ مرحلة ما بعد الحرب حملت ثقلاً مختلفاً". يقول: "بلّش التعب الحقيقي"، مُشيراً إلى أنّ سماع أصوات الناس ووجعهم ترك أثراً عميقاً فيه: "صوت الناس ووجعهم مؤلم جداً".

غارة على جنوب لبنان. (أ ف ب)

حين يترك الخبر أثراً نفسياً

تؤكد آية مهنا، معالجة نفسية متخصّصة في الصدمات، أنّ "ما يعيشه الصحافيون بعد الحروب ليس استثناءً، بل يندرج ضمن ظواهر معروفة في علم النفس، ترتبط بالتعرّض المستمر لمشاهد العنف والدمار".

وتوضح لـ"النهار" أنّ "هذا النوع من التعرض قد يؤدي إلى أعراض مشابهة لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، حتى لدى الأشخاص الذين لم يكونوا ضحايا مباشرين. وتتمثّل هذه الأعراض باسترجاع متكرّر للمشاهد، واضطرابات في النوم، إضافة إلى التوتر والعصبية والشعور بالإنهاك العاطفي".

وتلفت مهنا إلى أنّ الإشكالية الأساسية تكمن في طبيعة عمل الصحافي نفسه، إذ غالباً ما "يؤجّل التعامل مع مشاعره خلال التغطية"، ما يؤدي إلى ظهور هذه الأعراض لاحقاً وبشكل أكثر حدّة".

صمت المؤسّسات… ومبادرات فردية 

ورغم إدراك حجم الضغط النفسي الذي يواجهه الصحافيون، لا يزال الدعم المتخصّص محدوداً في كثير من المؤسسات الإعلامية، حيث يُترك معظم العاملين للاعتماد على قدراتهم الفردية في التكيّف، أو على مرور الوقت كوسيلة للتعافي.

في هذا السياق، يقول ربيع يونس إنّ "التعافي يحتاج إلى وقت"، فيما يحاول جواد شكر "السيطرة على مشاعره" رغم ثقلها.

غير أنّ مهنا تُشدّد على أنّ "الوقت، على أهميته، لا يكون كافياً دائماً"، مؤكدةً ضرورة "توفير دعم نفسي متخصّص، لا سيّما بعد التغطيات الطويلة في مناطق النزاع".

ما بعد الكاميرا 

لكن الأثر لا يتوقف عند لحظة التغطية، بل يمتد إلى ما بعدها. فالانتقال المفاجئ من ضجيج الميدان إلى هدوء الحياة اليومية، يفتح مساحة لمواجهة ما تمّ تأجيله.

هناك، تبدأ الأسئلة. وهناك أيضاً، تظهر الندوب. فالصحافي الذي نقل الألم، لم يكن يوماً بعيداً عنه. شاهده، سمعه، وعاشه.

وما بعد الحرب، غالباً ما يكون بداية معركة أخرى… داخلية، صامتة، وطويلة.


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية