الصحراء وأمريكا اللاتينية .. البراغماتية تطوي صفحة الإيديولوجيا والانفصال
تشهد الساحة السياسية في أمريكا اللاتينية موجة تحولات عميقة، تعيد رسم خارطة التحالفات الإيديولوجية والسياسية في المنطقة، كان آخرها فوز مرشح اليمين أبيلاردو دي لاسبيريا في الانتخابات الرئاسية الكولومبية، خلفا لغوستافو فرانسيسكو بيترو أوريغو، المعروف بمواقفه الداعمة للطرح الانفصالي في الصحراء المغربية؛ وهو ما يحمل، وفق مهتمين، دلالات تتجاوز حدود التداول الديمقراطي التقليدي للسلطة، لتطوي تدريجيا صفحة شعارات وخطابات الحرب البادرة، مقابل صعود المقاربات البراغماتية في المنطقة، التي باتت تركز على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للدول، بدلا من الانحيازات العقائدية.
وهنأ الملك محمد السادس الرئيس الكولومبي الجديد المنتمي إلى حزب “المدافعون عن الوطن”، عقب انتخابه رئيسا للبلاد، مؤكدا حرص المملكة على “إضفاء دينامية جديدة لعلاقات الصداقة التي تربطها بكولومبيا”، واستعداد الرباط للعمل سويا مع القيادة الجديدة في بوغوتا، من أجل “استشراف آفاق جديدة للشراكة في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك”، وفق ما ورد في الرسالة الملكية ذات الصلة.
دبلوماسية المصالح
أوضح هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، أن “التحول السياسي في كولومبيا بعد فوز أبيلاردو دي لاسبيريا يمكن قراءته من منظور أوسع من مجرد تداول السلطة؛ فنحن أمام إعادة تموضع جيواستراتيجي للدولة الكولومبية داخل المعسكر الغربي الصلب، خصوصا مع عودة خطاب أمني محافظ متماهٍ مع مقاربة واشنطن في أمريكا اللاتينية”.
وأبرز معتضد، في تصريح لهسبريس، أن “سقوط التيار اليساري القريب من خطاب “تقرير المصير” الذي تبناه غوستافو بيترو تجاه ملف الصحراء لا يعني فقط تغيرا أيديولوجيا؛ بل يعكس انتقال بوغوتا من دبلوماسية رمزية إلى دبلوماسية قائمة على حسابات المصالح الصلبة: الأمن، الاستثمار، والتحالفات الدفاعية”.
وتابع الباحث في الشؤون الاستراتيجية: “مستقبل العلاقات بين المغرب وكولومبيا يبدو مرشحا للتحسن على نحو ملموس؛ ذلك أن القيادة الجديدة ستعيد تقييم ملفات السياسة الخارجية عبر معيار الربح الاستراتيجي، وهنا يمتلك المغرب أفضلية واضحة؛ فهو لم يعد يُنظر إليه فقط كشريك عربي أو إفريقي، بل كمنصة جيو-اقتصادية وأمنية تربط الأطلسي بإفريقيا والساحل وأوروبا، وبالنسبة لصانع القرار الكولومبي”، لافتا إلى أن “الرباط قد تتحول إلى بوابة لشراكات في الأمن الاستخباراتي، الصناعات الدفاعية، الأمن الغذائي، والتعاون جنوب-جنوب”.
وعلاقة بملف الصحراء المغربية دائما، ذكر المصرح ذاته أن “تراجع نفوذ التيارات اليسارية الشعبوية في أمريكا اللاتينية يضعف تدريجيا الحاضنة التقليدية لأطروحة البوليساريو. فتاريخيا، كثير من الاعترافات بـ”الجمهورية الصحراوية” ارتبطت بمناخ الحرب الباردة، وبتحالفات أيديولوجية أكثر منها بحسابات قانونية أو استراتيجية. واليوم، هذا الأساس يتآكل أمام صعود نخب سياسية أكثر براغماتية، تنظر إلى النزاع من زاوية الاستقرار الإقليمي وقابلية الحل الواقعي، لا من زاوية الشعارات الثورية القديمة”.
وزاد: “على المستوى الاستراتيجي، إذا نجح الرئيس الكولومبي الجديد في تثبيت خطه الأطلسي المؤيد لواشنطن، فقد نشهد إما خفضا للتمثيل السياسي المؤيد للبوليساريو أو انتقالا كولومبيا إلى حياد أقرب للموقف المغربي. وهذا مهم لأن أمريكا اللاتينية كانت إحدى ساحات التنافس الرمزي في الملف. وباختصار، فإن فوز اليمين في كولومبيا لا يضمن اصطفافا فوريا مع الرباط، لكنه يفتح نافذة نادرة، فكلما تراجعت الأيديولوجيا، تقدمت الجغرافيا والمصلحة، وهذا بالضبط المجال الذي بات المغرب يتفوق فيه دبلوماسيا”.
مصالح مشتركة
قال محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة وباحث متخصص في شؤون أمريكا اللاتينية، إن “نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة في كولومبيا تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للعلاقات المغربية الكولومبية؛ بالنظر إلى التحولات التي شهدتها هذه العلاقات خلال السنوات الماضية.
وأضاف عطيف، في تصريح لهسبريس: “فمن المعروف أن الرباط وبوغوتا نجحتا في بناء علاقات متميزة وقوية على امتداد سنوات طويلة، اتسمت بالتعاون السياسي والتنسيق الدبلوماسي والتفاهم حول عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك”.
وزاد شارحا: “غير أن وصول اليسار إلى السلطة في كولومبيا سنة 2022 أدخل العلاقات الثنائية في مرحلة من الفتور النسبي، خاصة بعد بعض المواقف السياسية التي لم تنسجم مع مستوى التقارب الذي طبع العلاقات بين البلدين في السابق. وقد انعكس ذلك على وتيرة الحوار السياسي وعلى مستوى التنسيق الدبلوماسي بين الرباط وبوغوتا”.
وأكد الأستاذ الجامعي المتخصص في العلاقات الدولية أن “عودة اليمين إلى قيادة الدولة الكولومبية، تُبرز إمكانية إعادة بناء الزخم الذي ميز العلاقات المغربية الكولومبية في مراحل سابقة، حيث إن الحكومة الجديدة تبدو أكثر ميلا إلى اعتماد مقاربة واقعية في السياسة الخارجية تقوم على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية؛ وهو ما ينسجم مع الرؤية التي يعتمدها المغرب في علاقاته مع دول أمريكا اللاتينية”.
وبيّن المصرح عينه أن “المغرب عزز، خلال السنوات الأخيرة، مكانته الدولية والإقليمية بشكل لافت، سواء من خلال حضوره المتنامي في إفريقيا أو عبر الشراكات التي راكمها مع عدد من القوى الدولية والإقليمية. وبالتأكيد، هذا المعطى يجعل من المملكة شريكا مهما بالنسبة لكولومبيا في مجالات الاستثمار والتجارة والأمن والتعاون جنوب-جنوب”.
وخلص عطيف إلى أن “المرحلة المقبلة قد تشكل فرصة حقيقية لإعادة العلاقات المغربية الكولومبية إلى مستواها التقليدي المتميز؛ بل وتطويرها نحو آفاق أوسع، بما يخدم مصالح البلدين ويساهم في تعزيز حضور المغرب داخل الفضاء اللاتيني، خاصة في ظل التحولات السياسية التي تعرفها المنطقة وتزايد القناعة بأهمية الشراكات القائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل”.
The post الصحراء وأمريكا اللاتينية .. البراغماتية تطوي صفحة الإيديولوجيا والانفصال appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.