الصحافة في زمن الخوارزميات

من يملك الخبر… ومن يملك طريقه إلى الجمهور؟

الصحافة في زمن الخوارزميات: من يملك الخبر… ومن يملك طريقه إلى الجمهور؟ قد يبدو تعيين مدير جديد على رأس BBC خبراً إدارياً عادياً. لكن اختيار شخصية مثل Matt Brittin، القادم من Google، يحمل دلالة أعمق بكثير. نحن أمام لحظة تعترف فيها واحدة من أعرق المؤسسات الإعلامية في العالم بأن قواعد اللعبة تغيّرت. لم تعد المشكلة في توفر الخبر. الأخبار اليوم متاحة بكثرة، وفي كل لحظة.

التحدي الحقيقي أصبح في شيء آخر: من يحدد ما يصل إلى الجمهور؟ وكيف يصل؟ ومتى؟ على مدى عقود طويلة، كانت غرف التحرير هي التي تضبط إيقاع الخبر. تختار، ترتب، وتحدد الأولويات. كان القرار التحريري هو البوابة الأساسية التي يمر منها كل شيء. لكن هذه البوابة لم تعد الوحيدة، وربما لم تعد الأهم. اليوم، تشاركها الخوارزميات هذا الدور، بل تتفوق عليها في كثير من الأحيان. لم يعد يكفي أن تملك خبراً مهماً. الأهم أن تضمن وصوله داخل بيئة رقمية معقدة، تتحكم فيها منصات كبرى، وتُدار وفق منطق البيانات وسلوك المستخدمين. في هذه البيئة، يُعاد ترتيب الأخبار باستمرار، لا وفق أهميتها فقط، بل وفق قدرتها على جذب الانتباه.

تقارير Reuters Institute تشير بوضوح إلى هذا التحول. فالجمهور، خاصة فئة الشباب، يتجه بشكل متزايد إلى استهلاك الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفيديو، بل وحتى عبر أدوات الذكاء الاصطناعي. لم تعد المواقع الإخبارية هي نقطة البداية كما كانت في السابق، بل أصبحت جزءاً من مسار أطول يمر عبر المنصات. في هذا السياق، يبدو منطقياً أن تبحث BBC عن قيادة تفهم هذا العالم الجديد. لم تعد المؤسسة بحاجة فقط إلى خبرة تحريرية، بل إلى رؤية قادرة على التعامل مع بيئة رقمية تعيد تشكيل العلاقة بين الإعلام والجمهور. هنا وجب علينا أن نتساءل كإعلاميين مغاربة عن مدى إمكانية قراءة هذا التحول التاريخي بالنسبة للصحافة في بلادنا ومحاولة فهم درجة وعي المؤسسات الإعلامية بانعكاسات وتداعيات هذا الواقع الجديد؟ المعطيات واضحة. استخدام الإنترنت في المغرب واسع، ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مصدراً رئيسياً للأخبار.

وفي المقابل، تبقى مستويات الثقة في الإعلام محدودة. هذه المفارقة تكشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بالمحتوى، بل أيضاً بطريقة وصوله إلى الجمهور. الصحافة المغربية، مثل غيرها، تواجه تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على المهنية والمصداقية، وفي الوقت نفسه التكيف مع بيئة إعلامية جديدة تفرض قواعد مختلفة. لم يعد كافياً نشر الخبر وانتظار تفاعل الجمهور. الوصول إلى القارئ أصبح جزءاً من العمل الصحافي نفسه. هذا لا يعني أن الصحافة يجب أن تتحول إلى مجرد امتداد للمنصات. على العكس، دورها اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. لكن هذا الدور لن يكون فعالاً إلا إذا استوعبت المؤسسات الإعلامية أدوات العصر: تحليل البيانات، فهم سلوك الجمهور، تطوير أساليب العرض، والاستثمار في المحتوى الرقمي بأشكاله المختلفة. التحدي الحقيقي هو إيجاد التوازن. بين منطق المنصة، الذي يقوم على السرعة وجذب الانتباه، ومنطق الصحافة، الذي يقوم على الدقة والتحقق وتقديم السياق.

إذا اختل هذا التوازن، تفقد الصحافة وظيفتها الأساسية. ما يحدث اليوم ليس مجرد تحول تقني، بل تحول في طبيعة السلطة داخل المجال الإعلامي. من يملك قنوات التوزيع، يملك جزءاً كبيراً من القدرة على التأثير. ولهذا، فإن النقاش حول التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون بعيداً عن الإعلام. الدرس الذي يمكن استخلاصه من تجربة BBC واضح: البقاء في هذا المشهد الجديد يتطلب أكثر من تاريخ عريق أو سمعة مهنية. يتطلب فهماً عميقاً للتحولات الجارية، واستعداداً لإعادة النظر في طرق العمل.

الصحافة لن تختفي، لكنها لن تبقى كما هي. من ينجح في المستقبل لن يكون فقط من يكتب أفضل، بل من يعرف كيف يصل إلى جمهوره في عالم تتحكم فيه الخوارزميات، وتتنافس فيه المنصات على كل ثانية من انتباه المستخدم. أما من يتأخر في فهم هذه التحولات، فقد يجد نفسه خارج المشهد… حتى وإن ظل يكتب ويتواصل كما كان يفعل دائماً.

The post الصحافة في زمن الخوارزميات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress