الشرق الذي لم تغادره تركيا

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

 سمير صالحة *

الشرق ليس مكاناً تعود إليه تركيا، لأنه لم يكن غائباً عنها أصلاً. منذ قيام الجمهورية التركية العلمانية الحديثة قبل نحو قرن، بدت أنقرة وهي تتقدم نحو الغرب، وتنضم إلى مؤسساته وتحالفاته، وتبني جزءاً من موقعها الدولي عبر هذه البوابة. لكن ذلك لم يعنِ يوماً إغلاق الأبواب الأخرى؛ فقد ظل الشرق حاضراً في الجغرافيا والمصالح والذاكرة السياسية التركية، من البلقان والقوقاز إلى المشرق والخليج وآسيا الوسطى وجنوب آسيا.


إعادة تعريف الدور

 

لذلك، فإن انضمامها إلى الترتيب الدفاعي الثلاثي مع السعودية وباكستان لا يشبه عودة تركيا إلى الشرق، بقدر ما يكشف إعادة تعريف دورها فيه. فالمتغير ليس اتجاه البوصلة التركية، بل وظيفة الحضور التركي. أنقرة لا تريد أن تكون حاضرة في الشرق فقط، بل أن تكون مؤثرة في الطريقة التي يُعاد بها تنظيمه.

لم تكن كثرة الأبواب وتعدد تسمياتها في مدن الشرق القديمة، مجرد منافذ للدخول والخروج؛ كانت خرائط مختصرة للعالم المحيط بها. وتركيا اليوم لا تبدو دولة تختار بين باب الشرق وباب الغرب، بقدر ما تحاول أن تتحرك بين الأبواب جميعاً. فقوتها الاستراتيجية لا تكمن في الانحياز إلى دائرة على حساب أخرى، بل في قدرتها على التحرك بينها وتحويل موقعها بين الدوائر إلى مجال أوسع للحركة والتأثير، وهي في لحظة اعادة تشكيل الإقليم، لا تبدو مستعدة للتخلي  عن هذه الميزة .
ولعل ما يجعل الشرق مختلفاً في الحساب التركي أنه ليس جغرافيا سياسية فحسب، فهو أيضاً ذاكرة بشرية وتاريخية واجتماعية متراكمة، تشكلت عبر قرون من الحركة والتجارة والهجرة والتداخل بين الأناضول والمشرق والبلقان والقوقاز وآسيا. ولهذا ظلت صلات تركيا بالشرق تتجاوز الحكومات والتحالفات إلى مجتمعات وأسواق وطرق ومصالح متشابكة. وما تفعله أنقرة اليوم ليس استعادة تلك الذاكرة، بل تحويل امتداداتها التاريخية والجغرافية إلى حضور سياسي واستراتيجي جديد.



خطوط موصولة مع العرب

 

أعادت أنقرة خلال السنوات الأخيرة، وصل خطوطها بمراكز الثقل العربية والإسلامية بين آسيا وإفريقيا. الرياض أصبحت شريكاً تتسع معه دوائر التنسيق، والقاهرة استعادت موقعها في الحسابات التركية، ودمشق الجديدة تحولت إلى مساحة لإعادة ترتيب التوازنات في المشرق، فيما تفتح بيروت والخليج والبحر الأحمر وشمال أفريقيا وشرق المتوسط مساحات إضافية للحركة التركية. لكن أهمية هذه المسارات لا تكمن في عدد العواصم التي اقتربت منها أنقرة، بل في أن التحولات الإقليمية المتسارعة بدأت تغير وظيفة هذه العلاقات نفسها، وتنقلها من مجرد قنوات للتواصل والمصالح إلى شبكة أوسع تتقاطع فيها السياسة والأمن والاقتصاد، وتتيح لأنقرة الانتقال تدريجاً من المساهمة في بناء التوازنات داخل الشرق إلى الجلوس أمام طاولة صوغ ترتيبات المشهد الإقليمي الجديد.

ترتيبات الأمن الإقليمي

 

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة اتفاقية مكة بين السعودية وتركيا وباكستان. فأهميتها بالنسبة إلى أنقرة لا تكمن في إضافة شراكة دفاعية جديدة فحسب، بل في أنها تكشف انتقال الحضور التركي من بناء العلاقات والنفوذ إلى المشاركة في ترتيبات الأمن الإقليمي. تركيا لا تتحرك من الغرب إلى الشرق، بل من دور إلى دور؛ من دولة تتعامل مع الشرق بوصفه مجالاً للمصالح والامتدادات، إلى دولة تريد أن يكون لها موقع في صوغ توازناته وقواعد أمنه الجديدة. 

لم تنظر أنقرة يوماً إلى الشرق والغرب باعتبارهما خيارين متعارضين، بل عملت دائماً على توسيع المساحة التي تتحرك فيها بينهما. فعضويتها في الناتو لا تمنعها من بناء شراكات أمنية في الشرق، كما أن حضورها المتزايد فيه لا يعني انسحابها من الغرب. وبين هذه الدوائر، تحاول تركيا تحويل موقعها الاستراتيجي إلى قدرة على التأثير في توازنات الإقليم وقواعده الجديدة. 

 

 

* باحث وأستاذ جامعي - تركيا

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية