الشرع والزيدي وعون في تركيا... إردوغان يبني نفوذه في الشرق الأوسط
طغى الطابع الجغرافي على الديبلوماسية التركية. الرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة خلال قمّة "الناتو"، ثم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ورئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون. هذه الحركة السياسية تنطلق من منحى جغرافي، تركيا ومحيطها الممتد من العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان. وخلف هذا النشاط السياسي محاولات تركيا لبناء نفوذ إقليمي يجاري المتغيرات الدولية في الشرق الأوسط.
لا تخفى مساعي تركيا لتوسيع رقعة نفوذها في الشرق الأوسط، وكانت أبرز محطات هذه الجهود سقوط نظام بشّار الأسد ووصول سلطات سورية جديدة مقرّبة منها. واستكملت مع مساع دولية، لا سيما مع الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب، لإنجاز ترتيبات أمنية في غزّة وضبط قضية الأكراد في سوريا والعراق، لكن هذا الواقع جعلها في موقع تصادمي مع إسرائيل.
الباحث في "سنتشري إنترناشيونال" والمحلل الأول في وكالة أبحاث الدفاع السويدية أرون لوند يقول إن "تركيا تتمتع بوضع جيد يتيح لها توسيع نفوذها في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل إمكانية تعاونها مع قوى إقليمية أخرى مثل قطر".
وفي حديث لـ"النهار" يشير إلى أن دور تركيا لا يزال "هامشياً نوعاً ما" في كل من العراق ولبنان، إلا أنها تتمتع "بنفوذ قوي للغاية" في سوريا. ومن المرجح أن يشكل هذا النفوذ "ركيزة أساسية" لدورها الإقليمي، وأن يساعدها في "بسط نفوذها" على الدول المجاورة أيضاً.
ممرات أنابيب الطاقة
ستكون دول المشرق العربي، وبشكل خاص العراق وسوريا، ممراً إلزامياً لأنابيب الطاقة وسكك حديد التجارة المقبلة من الشرق والخليج العربي وصولاً إلى أوروبا مع خطط تعويض الغاز الروسي ومبادرات طريق الحرير. السباق بين تركيا وإسرائيل يتمحور حول هوية "المعبر" إلى أوروبا، والدولتان تريدان أن تشكلا "مضيق هرمز" البحر المتوسط.

تسعى تركيا إلى ضبط سياسة وأمن وديموغرافية هذه المنطقة. الحفاظ على شكل الدول الحالي سيكون في مصلحة الرؤية التركية كون علاقات إيجابية تربط سوريا والعراق بتركيا، عكس واقع الحال مع إسرائيل. في المقابل، تدفع الأخيرة نحو مشاريع تقسيمية تحاصر الدور التركي وتخرج جزءاً من الجغرافيا السورية عن العلاقة الإيجابية مع تركيا وتستقطبها نحو إسرائيل.
سوريا والأدوار المستجدة
أثنى ترامب أكثر من مرّة على الشرع وقوته وقدرته على أن يكون "قائداً عظيماً" في الإقليم. تريد واشنطن وأنقرة تخصيص دمشق بدور في إعادة ضبط توازنات المنطقة. من هذا المنطلق، تحدّث ترامب عن احتمال مساعدة سوريا في نزع سلاح "حزب الله". نفى الشرع أي خطط للتدخل في لبنان، لكن في الواقع، فإن الدور السوري محسوم بمسألة محاولات إنهاء جناح "حزب الله" العسكري.

حتى الحين، ما زال هذا الدور محصوراً بمنع تهريب السلاح عبر الأراضي السورية، وهذا الجهد مرتبط أيضاً بالعراق كونه محطة أساسية لقافلات النقل العسكري إلى المنطلقة من إيران. تطور هذا الدور ليبلغ حد المواجهة العسكرية بين سوريا و"حزب الله" غامض وسابق لأوانه لجملة اعتبارات أمنية مرتبطة بسوريا، لكنه ليس منسياً خصوصاً وأن دمشق اضطلعت بأدوار مشابهة سابقاً.
صدام مع إسرائيل
يرى بعض الخبراء في هذا الشأن أن أسهم الصدام بين تركيا وإسرائيل مرتفعة. بوادر هذه المواجهة ظهرت في سوريا مع هجمات إسرائيل المستمرة منذ سقوط الأسد ودعم جهات انفصالية درزية وكردية. اختلاف المشروعين التركي والإسرائيلي وتنافسهما سيجعلان من الصدام شبه حتمي، وإن اختلفت أشكال المجابهة وتأخر موعدها.
بتقدير لونين، يبدو أن تركيا وإسرائيل "تتجهان نحو مزيد من الاحتكاك والمنافسة"، وهناك "خطر لحدوث مواجهات"، لا سيما فيما يتعلق بالمجالات الجوية والبحرية وفي الساحة السورية على حد تعبير الباحث. لكن في الآن عينه، يعتقد لونين أن الطرفين لا يرغبان في المواجهة، ومن المرجح أن تحاول الولايات المتحدة "تهدئة التوترات"، غير أن السيطرة على مثل هذه الأمور "قد تكون صعبة أحياناً".

في المحصلة، فإن النفوذ التركي إلى تصاعد في الشرق الأوسط، ولا يتوقف على جغرافيا لبنان وسوريا والعراق، وإن اعترف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأن أمن بلاده القومي يبدأ من لبنان وسوريا. هذا النفوذ يتمتع ببعد دولي وشبكة علاقات متينة مع الولايات المتحدة من جهة، والسعودية وباكستان وروسيا ومصر من جهة أخرى.