السينماتيك الفرنسية: الذاكرة الحيّة للسينما العالمية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في باريس، في قلب حيّ بيرسي، تجسّد السينماتيك الفرنسية فكرة ثقافية ترقى إلى مستوى القناعة، تقول بأنّ السينما أكثر من مجرّد وسيلة للترفيه؛ إنّها ذاكرة تكاد تكون هشّة ينبغي إنقاذها، وحفظها، ونقلها إلى الأجيال.

هوسٌ مؤسِّس: إنقاذ السينما
بدأت الحكاية عام 1936، حين أسّس هنري لانغلوا، مع عدد من رفاقه، هذه المؤسسة في مبادرة جمعت بين الحدس والرؤية. في ذلك الزمن، كانت السينما لا تزال فناً فتياً، لكنها كانت مهدَّدة بالفعل. كانت الأفلام الصامتة تختفي، تُدمَّر أو يُعاد تدويرها، بعدما اعتُبرت بلا قيمة. أمّا لانغلوا، فقد أدرك إلحاح اللحظة، فراح يجمع ويستعيد ويكدّس، أحياناً في ظروف هشّة، تفادياً للنسيان.

هذا الفعل التأسيسي أفضى إلى نشوء ما سيغدو لاحقاً واحدة من أكبر الأرشيفات السينمائية في العالم. واليوم، تحتفظ السينماتيك بأكثر من 40 ألف فيلم، إلى جانب آلاف القطع والوثائق والمقتنيات المرتبطة بتاريخ السينما.

 

معرض مخصّص لرومي شنايدر في السينماتيك الفرنسية. (أ ف ب)

 

لكن فكرة جوهرية واحدة ميّزت لانغلوا وجعلته أكثر من مجرّد أمين أرشيف؛ فالفيلم لا "وجود" له حقاً ما لم يُعرض. إنقاذه جيّد، لكن يجب أيضاً عرضه، ومشاركته، ونقله.

مكانٌ نتعلّم فيه كيف نرى
تُعدّ السينماتيك الفرنسية أكثر من مجرّد أرشيفٍ، وتُشكّل فضاءً لتعلّم الرؤية. في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، تحوّلت قاعاتها إلى ملاذٍ لجيلٍ من الشغوفين الشباب الذين سيُحدثون ثورة في السينما: جيل الموجة الجديدة. هناك، اكتشفوا أعمال ألرفيد هيتشكوك وجان رينوار وشارلي شابلن، في حوارٍ دائم بين الأزمنة والأساليب والقارات.

تبني البرمجة في السينماتيك تاريخاً للسينما، وتعمل كما في عملية المونتاج، لتصل الأفلام ببعضها لتُبرز المعنى، وتُنتج فكرة، وتكشف عن امتدادٍ وتوارث. هذا الدور التربوي - الذي يكاد يكون تأسيسياً - يفسّر لماذا يعتبر كثيرٌ من السينمائيين السينماتيك مدرستهم الحقيقية.

مؤسّسة في قلب التاريخ الثقافي
تأثّرت السينماتيك الفرنسية طويلاً بتوترات عصرها. في عام 1968، حين حاولت الدولة إقصاء هنري لانغلوا، اندلعت موجة تعبئة غير مسبوقة هزّت عالم السينما. فقد اتّخذت شخصيات بارزة، من جان لوك غودار إلى فرانسوا تروفو، موقفاً دفاعاً عمّن اعتبروه حارس ذاكرتهم.

 

معرض مارلين مونرو في السينماتيك الفرنسية. (أ ف ب)

 

هذه الحادثة، البعيدة عن كونها تفصيلاً عابراً، تكشف أمراً أساسياً: السينماتيك ليست مجرّد مؤسّسة، بل قضية ثقافية وسياسية، تكاد تكون رمزية. إنها تجسّد فكرة معيّنة عن السينما... سينما حرّة، صارمة، ومستقلة.

معبدٌ للسينما في حركة دائمة
منذ عام 2005، استقرّت السينماتيك الفرنسية في مبنى يحمل توقيع المهندس المعماري فرانك جيري، وقد باتت اليوم فضاءً متعدّد الأوجه: قاعات عرض، متحف للسينما، مكتبة متخصّصة، وفضاء للمعارض والنقاشات.

تبقى مهمّة المؤسسة واحدة، ثابتة لا تتزعزع، وهي جمع التراث السينمائي العالمي، والحفاظ عليه، وترميمه، ونشره. غير أنّها مطالَبة أيضاً بمواكبة زمنها. فالنقاشات الأخيرة حول البرمجة، والتمثيل، وسياق عرض الأعمال، تكشف أنّ السينماتيك تواجه سؤالاً جوهرياً: كيف نحافظ على الإرث من دون أن نتجمّد في الزمن؟ وكيف ننقل من دون أن نخون الإرث؟

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية