السيادة والتبعية: معركة الهوية الاقتصادية في العالم الجديد..
أشرتُ في مقال “فخ كيندلبيرجر وأزمة القيادة العالمية: حدود الدور الصيني”، إلى أننا نعيش اليوم لحظة تاريخية يتجسد فيها هذا الفخ بأوضح صوره؛ حيث لم يعد الاستقرار العالمي رهيناً بتوازن القوى فحسب، بل بمدى وجود “قائد” مستعد لتحمل كلفة السلع العامة العالمية. وفي ظل تراجع الولايات المتحدة عن هذا الدور وانكفاء القوى الصاعدة على مصالحها السيادية، تحول النظام الدولي في 2026 من “العولمة التعاونية” إلى “الجيواقتصاد المسلح”، هذا الفراغ القيادي هو الذي أدى إلى احتجاز المال داخل أروقة السياسة، وتحويل سلاسل الإمداد وممرات الطاقة إلى أدوات ردع وصراع، مما يفرض على الدول الباحثة عن الاستقلال الاقتصادي صياغة نماذج سيادية قادرة على الصمود خارج المظلات التقليدية.”
ما وراء الأرقام
لم يكن تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في أبريل 2026، والموسوم بـ “الاقتصاد العالمي في ظل الحرب”، مجرد رصد إحصائي روتيني لتعثر معدلات النمو العالمي عند حاجز 3.1% بل كان في جوهره، وثيقة اعتراف تاريخية بأن الاقتصاد العالمي أصبح “رهينة” للقرار السياسي الصرف. فالتوقعات التي كانت تشير إلى تعافي مرن في مرحلة ما بعد الأزمات الصحية والنزاعات الإقليمية، اصطدمت بواقع “التمزق الهيكلي” الذي جعل من التضخم “مرض مزمن ” يتغذى على عدم اليقين الجيوسياسي.
تشظي النمو
وعند تشريح هذا التقرير أكاديمياً، نجد أن الخطر لا يكمن في ضعف الرقم بحد ذاته، بل في “تشظي النمو”. فالقوى الكبرى تجاوزت رسمياً النظريات النيوليبرالية الكلاسيكية التي طالما فصلت بين الاقتصاد والسياسة، لنشهد ميلاد حقبة تُعرف فيها القوة ليس بحجم الناتج المحلي فحسب، بل بمدى القدرة على “خنق” أو “تأمين” تدفقات الثروة عبر القارات. إن ممرات الطاقة وحروب الرقائق الإلكترونية والعملات الرقمية السيادية باتت هي المتغيرات التفسيرية الوحيدة التي تفسر لماذا تنجح دول في الصمود بينما تنهار أخرى تحت وطأة “التضخم المستورد”.
صناعات المستقبل
تكشف أرقام أبريل 2026 عن تصدع عميق في السردية الغربية؛ فنمو بريطانيا المتعثر عند 0.8% ومنطقة اليورو عند 1.1% هو مؤشر على تآكل بنيوي للقارة العجوز. تاريخياً، اعتمد المغرب في نموذجه التنموي على “الأوفشورينغ” (Offshoring) والخدمات المرتبطة بالسوق الأوروبية، لكن هذا النموذج أظهر محدوديته الخطيرة في ظل الانكماش الأوروبي الراهن.
لقد أدرك صانع القرار في المغرب، خلال السنوات الأخيرة، خطورة ومثالب الارتهان لقطاع الخدمات الموجه حصراً نحو أوروبا المترهلة؛ فذلك الاعتماد لم يكن سوى ارتباط بنمو مفقود، حيث كانت كل “عطسة” اقتصادية في باريس أو مدريد تترجم فوراً إلى ‘”زكام”حاد في مراكز الاتصال والخدمات المغربية. هذا الإدراك العميق فرض ضرورة القطيعة مع منطق “المناولة الخدمتية” الانتقالية، والتوجه الجاد نحو “توطين القيمة المضافة الصناعية”. فالسيادة الوطنية بمفهومها المعاصر لم تعد تتحقق عبر بوابة استقبال مكالمات الزبائن الأوروبيين، بل بامتلاك المفاتيح الفعلية لصناعات المستقبل، لاسيما في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم على الصعيدين الطاقي والرقمي
الاستراتيجية البديلة
في مواجهة “فخ كيندلبيرجر”، نهج المغرب استراتيجية لتنويع الشراكات، متجاوزاً المحور التقليدي (الرباط-باريس) نحو فضاءات أرحب تشمل الصين، الولايات المتحدة، والهند. هذا التنويع لم يكن ديبلوماسي فحسب، بل كان جيواقتصادي بامتياز، تجلى في المراهنة على “منظومة البطاريات الكهربائية”.
فالمغرب يحاول الاستفادة من موقعه كواحد من القلائل الذين يمتلكون “اتفاقيات تبادل حر” مع واشنطن والاتحاد الأوروبي في آن واحد، ليتحول إلى مغناطيس للاستثمارات الصينية والغربية في مجال بطاريات الليثيوم. إن توطين “المصانع العملاقة” لإنتاج البطاريات ليس مجرد نشاط صناعي، بل هو محاولة للتموضع في “قلب” الثورة الصناعية القادمة. فمن خلال توظيف احتياطيات الكوبالت والفوسفات، يسعى المغرب للانتقال من “مُصدر للمواد الخام” إلى “فاعل مركزي” في سلسلة قيمة السيارات الكهربائية العالمية. هذا التموضع يمنح المغرب هامشاً للمناورة الجيوسياسية؛ حيث تصبح استمرارية سلاسل الإمداد الغربية مرتبطة باستقرار وكفاءة المنصة الصناعية المغربية.
الطاقات المتجددة
لا يمكن فهم استراتيجية “توطين الصناعات” في المغرب دون ربطها بالطفرة في الطاقات المتجددة. ففي ظل “الاقتصاد المحتجز” وارتفاع تكاليف الطاقة العالمية، تحول الاستثمار في الرياح والشمس من خيار بيئي إلى “ضرورة أمنية وجودية”. المغرب يراهن على أن يصبح “خزان طاقي” لأوروبا عبر الهيدروجين الأخضر، لكن التحدي الأكاديمي يكمن في مدى قدرة هذا القطاع على “تخفيض التكلفة” للصناعة المحلية أولاً.
إن بناء سيادة صناعية في مجال البطاريات أو السيارات يتطلب طاقة رخيصة ومستدامة. وهنا تبرز المعضلة: هل سيتمكن المغرب من تحويل ريادته في الطاقة الشمسية إلى ميزة تنافسية لصناعاته الثقيلة، أم سيظل مجرد “ممر” للطاقة النظيفة نحو الشمال؟ إن نجاح هذه الاستراتيجية رهين بمدى قدرة الدولة على “مغربة” التكنولوجيا (توطين المعرفة التقنية) لا مجرد استيراد التوربينات والألواح، لضمان ألا نقع في “تبعية طاقية من نوع جديد” تحت مسميات خضراء.
الغذاء كسلاح
يمثل الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب لعام 2026 الحدث الأكثر دلالة على الوعي بالسيادة، لكنه يصطدم بواقع “الإجهاد المائي الهيكلي”. إن المراهنة على مشاريع التحلية والري الذكي هي محاولة لامتلاك “سلاح الغذاء” وسط عالم مضطرب. السيادة هنا ليست معطى جاهزاً، بل هي معركة استنزاف يومية تتطلب موازنة دقيقة بين طموح الاكتفاء الذاتي وواقع الإمكانيات المائية المحدودة. فرغم الريادة المغربية في إنتاج الأسمدة، يظل الاقتصاد رهين بتقلبات أسواق الطاقة والحبوب، مما يعني أن “السيادة” ستبقى شعاراً ناقصاً ما لم يتم ربط النجاح الصناعي (البطاريات) بالنجاح الفلاحي عبر حلول تقنية وطاقية متكاملة.
السيادة الرقمية وفخ التبعية الخوارزمية
في خضم هذا التدافع العالمي، تبرز “السيادة الرقمية” كأخطر جبهات الصراع في عام 2026، حيث تتكشف الحقيقة المرة وراء ما يمكن تسميته بـ “خيبة الأمل التقنية” في الذكاء الاصطناعي. وبالنسبة للمغرب، تواجه طموحاته الرقمية تحدياً وجودياً يتمثل في “التبعية التقنية”؛ ففي غياب استقلالية الخوارزميات السيادية، يظل الطموح الرقمي مجرد “استهلاك متطور” للأدوات، لا إنتاجاً معرفياً يحمي القرار السيادي من الاختراق أو التوجيه العابر للحدود. إن فجوة التوقعات الحالية تؤكد أن المستقبل لن يكون لمن يملك واجهات التطبيقات، بل لمن يمتلك “نواة المعرفة” والقدرة على دمجها في صلب الإنتاج الحقيقي (الصناعة والفلاحة) دون الوقوع في فخ التبعية الممنهجة للشركات العابرة للقارات.
التحول العسير
إن النظام العالمي في مطلع 2026 يقف على أعتاب مرحلة لا تعترف إلا بالأقطاب القادرة على المزج بين “المرونة الجيوسياسية” و”السيادة على الموارد”. وضمن هذا السياق، يبدو “النموذج المغربي” اليوم كنموذج في طور “التحول العسير”؛ محاولاً الانعتاق من أسر “الأوفشورينغ” والتبعية التقليدية للطلب الأوروبي، نحو آفاق التوطين الصناعي والمراهنة الجريئة على طاقة المستقبل. ومع ذلك، يجب التأكيد بوضوح على أن هذا الانتقال لن يكتمل، ولن يؤتي ثماره الاستراتيجية، دون علاج جذري لفجوات التفاوت الصارخة وتوطين التكنولوجيا توطيناً حقيقياً لا صورياً.
فالسيادة، في جوهرها الأكاديمي والواقعي، ليست مجرد مصانع ضخمة أو اتفاقيات دولية براقة، بل هي قدرة المجتمع – كل المجتمع – على إنتاج احتياجاته بكرامة واستقلالية. إن الرابح في هذا المخاض العالمي هو من يدرك يقيناً أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من امتلاك “مفاتيح الضرورة”: الغذاء، الماء، الطاقة، والمعرفة السيادية. إن “سنن المال” وقوانين الاقتصاد السياسي لا ترحم من يكتفي بنجاحات الماكرو-اقتصاد (الاقتصاد الكلي) بينما الميكرو-اقتصاد (اقتصاد الأفراد والمعاش اليومي) يعاني تحت وطأة الارتهان وتراكم الديون.
اقتصاد في سياسة
ولمن أراد التعمق في هذه الرؤية ومتابعة تفاصيلها، يمكن الرجوع إلى حلقات البرنامج عبر الرابط التالي: youtube.com/@TarikLissaoui. وقريباً – بإذن الله – ستُستأنف الحلقات مجدداً لمواصلة تفكيك هذه التحولات ومتابعة تداعياتها؛ لأن ما نعيشه اليوم ليس حدثاً عابراً، بل فصل من مسار تاريخي طويل تتكشف ملامحه تدريجياً.. واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ..
أكاديمي وكاتب