السوشيل ميديا ودوّامة الأخبار… كيف نحمي صحتنا النفسية؟
في زمن الأزمات والحروب، لم تعد متابعة الأخبار مجرّد وسيلة للاطلاع، بل تحوّلت إلى سلوك يومي قد يحمل تبعات نفسية معقّدة. وسط هذا التدفّق الهائل للمعلومات، يوضح روبير رزق، اختصاصي علم النفس السريري والمعالج النفسي، كيف يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تعيد تشكيل إدراكنا للواقع وتضغط على توازننا النفسي.
يشرح رزق أنّ متابعة أخبار الحروب عبر المنصّات الرقمية "تؤثر على إدراك الحقيقة"، لافتاً إلى أنّ ما يحدث علمياً هو "تحفيز مفرط لمناطق مختلفة في الدماغ، وخصوصاً الجزء من الدماغ المسؤول عن رؤية المعلومات وتنظيمه". ومع تراكم المعلومات، "يصبح الشخص غير قادر على التمييز بين الصحيح والخاطئ"، ما يؤدي إلى "التوتر، القلق، العصبية، واضطرابات النوم".
في هذا السياق، يبرز سلوك "التصفّح القهري للأخبار السلبية" كأحد أبرز مظاهر التفاعل مع الأخبار. يعرّفه رزق بأنّه "فعل ناتج عن بحث قلق عن المعلومة الصحيحة"، موضحاً أنّ الشخص "يسعى للوصول إلى محتوى دقيق بالكامل، وهو أمر غير واقعي، خصوصاً في أوقات الحروب حيث لا توجد حقيقة واحدة مطلقة".
ويضيف أنّ الدماغ يعمل في هذه الحالة بطريقة مشابهة لـ"التنافر المعرفي"، حيث "يدخل في حالة من الارتباك الذهني تعيق القدرة على اختيار المعلومات الصحيحة".
ولا يتوقّف التأثير عند هذا الحد، إذ يشير رزق إلى "الإرهاق الإعلامي"، حيث "يصبح الدماغ غير قادر على معالجة وتفسير المعلومات". فالتعرّض المستمر لأخبار متناقضة "يُعتبر بمثابة صدمات صغيرة تؤثر على الحُصين، وهو الجزء المسؤول عن الذاكرة والتعلّم"، ما يؤدي إلى "انخفاض في المواد الكيميائية العصبية، ويؤثر سلباً على التركيز، واتخاذ القرار، وصفاء الذهن".
هذا الاستهلاك المفرط لا يمرّ من دون كلفة نفسية. يؤكد رزق أنّ "الاستخدام المستمر للمعلومات عبر وسائل التواصل يؤدي إلى نوع من الإدمان الافتراضي"، تظهر علاماته في "الإرهاق، التوتر، اضطرابات النوم، ضعف التركيز، الغضب، والقلق".
إلى جانب ذلك، أظهرت أبحاث منشورة في مجلة " “Frontiers in Psychology" أنّ صعوبة التعرف على المشاعر والتعبير عنها قد تدفع الأفراد إلى استخدام وسائل التواصل كوسيلة للهروب العاطفي، ما يفسّر صعوبة التوقّف عن متابعة الأخبار حتى عندما تكون مرهقة.
ورغم هذا الواقع، لا يدعو رزق إلى القطيعة مع الأخبار، بل إلى التوازن. يقول: "لدينا جميعاً فضول معرفي طبيعي"، لكن "الطريقة الاستراتيجية للحد من التصفّح القهري يجب أن ترتكز على تقليل الفضول المفرط وتعزيز الاكتفاء"، ما يساعد على "تحقيق استقرار نفسي والتخفيف من القلق".
أما لدى الأطفال والمراهقين، فيوصي بـ"تحديد نوعية المحتوى إلى جانب تقليل وقت التعرض"، مع التشديد على "عدم استخدام الأجهزة لأكثر من ساعة يومياً"، لأن الدماغ يحتاج إلى وقت لاستعادة توازنه. ويحذّر من أنّ الإفراط قد يؤدي إلى اضطرابات مثل نقص الانتباه، فرط الحركة، القلق، والإدمان الافتراضي.
في المحصّلة، تبقى المشكلة في الإفراط لا في المتابعة بحد ذاتها، وفي القدرة على وضع حدود تحمي الصحة النفسية في زمن تتزاحم فيه الأخبار بلا توقّف.