السودان… المحطة الجديدة في مشروع “وحدة الساحات” الإيراني

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

خالد عمر يوسف

يكشف تقرير Beyond the Axis، الصادر في يونيو 2026 عن Century International وXCEPT، عن تحول استراتيجي بالغ الأهمية في طبيعة المشروع الإيراني في المنطقة. فالتقرير الذي استند إلى أكثر من 250 مقابلة ميدانية، وتحليل واسع لسلاسل الإمداد العسكرية، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات الشحن والعقوبات، يخلص إلى أن ما يُعرف بمحور المقاومة لم يعد مجرد شبكة تديرها طهران من المركز، وإنما أصبح نظاماً إقليمياً موزعاً ومتكيّفاً، تنتقل داخله المعرفة العسكرية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد بين أطراف متعددة بصورة تجعل تفكيكه أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

وقد كان من اللافت أن السودان قد احتل موقعاً أساسياً داخل التقرير. فالعلاقة بين النظام الإيراني والحركة الإسلامية السودانية (فرع جماعة الإخوان المسلمين في السودان) ليست وليدة الحرب الحالية، بل تمتد إلى تسعينيات القرن الماضي عندما تحول السودان تحت حكم الحركة الإسلامية إلى محطة رئيسية لتهريب السلاح الإيراني إلى الحركات الجهادية في افريقيا والشرق الأوسط، وشهد نقل تكنولوجيا تصنيع الأسلحة والطائرات المسيّرة إلى الصناعات العسكرية السودانية. إلا أن التطور الأخطر يتمثل في عودة هذه العلاقة خلال الحرب الحالية بصورة أكثر عمقاً، عبر التعاون العسكري والاستخباراتي، ونقل طائرات “مهاجر-6”، وتدريب عناصر سودانية على تصنيع وتشغيل المسيّرات لا بواسطة النظام الإيراني فحسب، بل بمشاركة عناصر من النظام الحوثي في اليمن، وتطورت هذه الشبكة لدرجة صار فيها وارداً أن يتحول السودان تحت قيادة البرهان إلى مركز إنتاج وإمداد داخل الشبكة الإقليمية نفسها، لا مجرد متلقٍ للدعم الإيراني.

هذه التطورات لا يمكن فهمها بمعزل عن المسار السياسي الذي عرفه السودان خلال العقد الأخير. ففي عام 2015، قطع السودان علاقاته مع إيران عقب الاعتداء على السفارة السعودية في طهران، في خطوة حاول من خلالها البشير الذي يقود نظام الحركة الإسلامية للإيحاد بأنه يتجه للخروج من المحور الإيراني وهو ما ثبت عدم صدقه لاحقاً. ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018 لتُنهي ثلاثة عقود من حكم الحركة الإسلامية، وقامت الحكومة المدنية الانتقالية بين عامي 2019 و2021 بانتهاج سياسة خارجية هدفت إلى إعادة دمج السودان في محيطه الإقليمي والدولي، وتعزيز شراكاته مع دول الاعتدال، والابتعاد عن المحاور الإقليمية التي ارتبطت بالإرهاب والتطرف.

غير أن هذا المسار انقطع بانقلاب أكتوبر 2021، الذي أعاد نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وأعاد معه التقارب مع طهران. وفي عام 2023 استأنف البرهان العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتبادل السفراء، ثم تلا ذلك، بحسب ما يوثقه تقرير Beyond the Axis وتقارير دولية موثوقة أخرى، توسع ملحوظ في التعاون العسكري والاستخباراتي ضمن شبكة إقليمية أوسع تضم الحرس الثوري الإيراني والحوثيين وشركاء آخرين في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات في لحظة تشهد فيها المنطقة إدراكاً متزايداً لحجم المخاطر التي يمثلها المشروع الإيراني على الأمن الإقليمي. فقد أظهرت الأحداث الأخيرة، وعلى رأسها العدوان الإيراني الذي استهدف دول الخليج، والتهديدات التي طالت الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، أن هذا المشروع لا يقتصر على دعم وكلاء محليين، وإنما يقوم على بناء شبكات عابرة للحدود تهدف لزعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي وتمديد النفوذ الإيراني إلى أبعد مدى ممكن. ومن هذا المنطلق، فإن احتواء هذه الشبكات وتفكيكها هو ضرورة استراتيجية بغيرها لا يمكن أن تنعم المنطقة بالأمن والاستقرار بشكل مستدام وحقيقي.

في هذا السياق تظهر خصوصية الحالة السودانية، وهي خصوصية كثيراً ما تغيب عن بعض المقاربات الإقليمية والدولية. فهناك اتجاه متزايد ينظر إلى الحرب السودانية باعتبارها معركة للحفاظ على مؤسسات الدولة في مواجهة جماعات مسلحة خارجة عنها. إلا أن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الدولة في السودان مختطفة بواسطة عناصر الحركة الإسلامية المتطرفة والتي صنفتها الولايات المتحدة الامريكية مؤخراً كجماعة إرهابية، وعليه فإن الحفاظ على مؤسسات الدولة في السودان لا يمكن أن يتم عيبر ترسيخ نفوذ الشبكات الإرهابية داخلها، فهذا المنهج سيقود لانهيار الدولة ومؤسساتها وتحولها لإداة ترسخ نفوذ الشبكات المرتبطة بالمشروع الإيراني المزعزع للأمن والسلم الإقليمي والدولي.

إن تجنب الانهيار الشامل في السودان يتطلب استعادة الدولة من القوى التي اختطفت مؤسساتها. ولهذا فإن أي استراتيجية جادة تجاه السودان ينبغي أن تربط بين أربع مسارات متكاملة هي: وقف الحرب، واستعادة الانتقال المدني الديمقراطي، وتفكيك شبكات الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وإبعاد السودان عن المشروع الإيراني وإعادة دمجه في منظومة الاعتدال والتعاون الإقليمي والدولي.

أما الرهان على استمرار القيادة العسكرية الحالية لتحقيق هذا الهدف، فيتعارض مع الوقائع التي يعيشها السودان الآن، والتي تشير إلى أن إعادة العلاقات مع إيران والتعاون العسكري والاستخباراتي معها جرت خلال هذه المرحلة. ومن ثم فإن إعادة تموضع السودان بعيداً عن مشروع “وحدة الساحات” لا يمكن أن يتحقق عبر استبدال البشير بالبرهان أو أي جنرال آخر، وإنما بقيام سلطة مدنية ديمقراطية ذات قاعدة شعبية تمتلك الإرادة السياسية لإنهاء عسكرة الدولة، وتفكيك شبكات الإخوان المسلمين الإرهابية، واستعادة استقلال القرار الوطني، وإعادة السودان إلى موقعه الطبيعي ضمن منظومة الاستقرار والسلام في المنطقة، وفك أي ارتباط بمحاور الإرهاب والتطرف العابر للحدود.

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم الإقليمية والدولية اليوم هو كيفية الحيلولة دون تحول السودان مجدداً إلى الحلقة الأفريقية الأهم في مشروع "وحدة الساحات" الإيراني. فقد دفعت المنطقة ثمناً باهظاً لهذه التجربة في السابق، ولا ينبغي السماح بتكراره مجدداً تحت أي ذريعة من الذرائع.


*وزير شؤون مجلس الوزراء السابق في الحكومة المدنية الانتقالية في السودان (2021)

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية