السنوات الثلاث الحاسمة: هل يتحول ضجيج القيادة الذاتيّة إلى واقع؟
شهد معرض بكين للسيارات هذا العام تحوّلاً لافتاً في سيارات الأجرة الذاتية القيادة "روبوتاكسي"، بعدما انتقلت من هامش المعرض إلى واجهته الأساسية للمرة الأولى. فقد عرضت شركات السيارات ومنصات النقل ومجموعات التكنولوجيا نماذجها المختلفة لخدمات النقل الذاتي، في إشارة إلى أن هذه التقنية لم تعد مجرد تجربة محدودة، بل باتت تمثل المرحلة المقبلة من وسائل التنقّل.
لكن احتدام المنافسة لا يعني بالضرورة نضج الصناعة. فإطلاق خدمة روبوتاكسي أصبح أسهل من السابق، إلا أن بناء نظام قادر على التوسع التجاري والعمل بأمان ما زال تحدياً معقداً.

وخلال العقد الماضي، تعامل قطاع القيادة الذاتية مع فكرة أن الإنجاز الحاسم سيأتي من المختبرات عبر تطوير نماذج أكبر، وزيادة بيانات التدريب، وتوسيع المحاكاة والقدرات الحاسوبية. غير أن هذا التصور، بحسب خبراء القطاع، لا يعكس الواقع بالكامل، لأن سلوك المركبة الذاتية يؤثر بدوره على تصرفات مستخدمي الطريق الآخرين بطريقة لا تستطيع البيانات التاريخية التنبؤ بها دائماً.
البيئات المعقدة
وتكمن أهمية ذلك في أن تقييم سيارات الأجرة الذاتية لا يعتمد فقط على أدائها الجيد في معظم الأوقات، بل على قدرتها على العمل بأمان داخل بيئات معقدة تتداخل فيها القرارات البشرية والتفاعلات الاجتماعية، مثل دراجة هوائية تتحرك بين المسارات، أو دراجة نارية تعبر نقطة التوقف فجأة، أو سائق يتسلل إلى فجوة دون أن يلتزم تماماً.
ويرى المتخصصون أن جمع المزيد من بيانات القيادة البشرية لا يكفي وحده لتطوير هذه الأنظمة. فالبيانات قد تعلّم الآلات كيف يتصرف البشر مع بعضهم البعض، لكن عندما تتحرك المركبة الذاتية بطريقة مختلفة، فإن بقية السائقين والمارة سيعدّلون سلوكهم استجابة لذلك، وهو ما يخلق حلقة تفاعل لا يمكن فهمها بالكامل إلا من خلال التشغيل الفعلي على الطرق.
الجوانب التنظيمية والتشغيلية
ولا يقتصر التحدي على الجانب التقني فقط، بل يشمل أيضاً الجوانب التنظيمية والتشغيلية. ففي بعض مدن الصين والولايات المتحدة، سمحت السلطات للشركات بالانتقال من مرحلة الاختبارات إلى تشغيل خدمات نقل ذاتية ضمن مناطق محددة، ما أتاح لها جمع بيانات واقعية أكثر في بيئات مرورية مزدحمة ومتنوعة. أما في بريطانيا وأوروبا، فقد جاء التنظيم أبطأ نسبياً، ما أدى إلى تفاوت في حجم البيانات الواقعية التي تجمعها الشركات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية فهم العلاقة بين السبب والنتيجة داخل حركة المرور. فعلى سبيل المثال، إذا خففت السيارة الذاتية سرعتها، فهل ستتجاوزها الدراجة النارية خلفها؟ وإذا تصرفت بحذر مفرط عند التقاطعات، هل يؤدي ذلك إلى إرباك السائقين الآخرين؟
أما المرحلة المقبلة، فتتمثل في جعل عملية التعلم الذاتية التوجيه من خلال إنشاء نظام يعرف نوع التدريب المطلوب. ويشير العاملون في القطاع إلى أن أصعب الحالات ليست دائماً الحوادث الكبيرة، بل اللحظات اليومية العادية التي تتضمن تردداً أو سوء فهم أو تفاوضاً.
ماذا عن التكلفة؟
وفي الوقت نفسه، يُعد منحنى تكلفة صناعة سيارات الأجرة الذاتية القيادة بأهمية بنية نموذجها نفسها. فإذا ظلت هذه المركبات باهظة الثمن بحيث يتعذر نشرها على نطاق واسع، فلن تتمكن الشركات من توليد تفاعلات كافية لتحسين أدائها.
ووفقاً لتقرير فاينانشال تايمز، فإن الجهات التنظيمية والركاب لن يقبلوا بنموذج يعتبر الأعطال النادرة مجرد هامش إحصائي. فالوصول إلى مستوى القيادة الذاتية الكامل المعروف بالمستوى الرابع يتطلب أن تتمكن المركبة من الحفاظ على وظائف القيادة الأساسية حتى عند حدوث خلل مفاجئ في البرمجيات أو الأجهزة، مع القدرة على التوقف بأمان عند الضرورة.
ويبقى التحدي التجاري موازياً للتحدي التقني، إذ يتعين على خدمات روبوتاكسي مستقبلاً منافسة سيارات الأجرة التقليدية ووسائل النقل العام والسيارات الخاصة. وإذا بقيت هذه الخدمات محصورة في مناطق محددة أو ظروف تشغيل ضيقة، فلن تتمكن من تحقيق انتشار اقتصادي واسع.
لذلك، يُتوقع أن تكون السنوات الثلاث المقبلة حاسمة بالنسبة للصناعة، فمع تزايد الشركات التي تعلن خططها وطموحاتها، سيصبح المشهد أكثر ضجيجاً، لكن كثرة الضوضاء لا تعني بالضرورة تحقيق تقدم حقيقي. وفي النهاية، سيُحسم سباق القيادة الذاتية على الطرق الفعلية، لا داخل المختبرات.