السنوات الأخيرة من حياة جورج أورويل في رواية للأسكتلندي نورمان بيسيل
لا شك أن رواية "1984" خلّدت اسم مؤلفها جورج أورويل (1903 – 1950)، ومعها بالطبع - وإن بدرجة أقل - روايته "مزرعة الحيوان"، وقد بيع منهما أكثر مما بيع من أي كتاب آخر لأي من كتّاب القرن العشرين. وفي هاتين الروايتين دقَّ أورويل جرس الإنذار إزاء احتمال أن يستولي شيوعيون فاشيون على الحكم في بريطانيا وفق النموذج الذي كان يجسده الإتحاد السوفييتي السابق بقيادة جوزيف ستالين. كان أورويل يؤمن على الصعيد السياسي بالاشتراكية الديموقراطية، لكنه بروايتيه هاتين صار أهم مناهضي الاستبداد الستاليني، وبهما أيضاً دخل اسمه ضمن "أعظم 50 كاتباً بريطانياً منذ العام 1945" بحسب قائمة أعدتها صحيفة "التايمز" عام 2018.
بحسب رواية "أورويل، 1984، الحكاية" للكاتب الأسكتلندي نورمان بيسيل ("دار العربي"، ترجمة محمد عثمان خليفة)، فإن أورويل أصيب بالسل الذي مات متأثرا به عن عمر ناهز 47 عاماً، من جراء الظروف البيئية المتردية التي أحاطت به خلال مشاركته في الحرب الأهلية الإسبانية، وهي التجربة التي تضمنها كتابه "تحية لكتالونيا" (1938). وتتضمن رواية بيسيل، وهو شاعر وروائي وكاتب مقالات أسكتلندي، سيرة جورج أورويل، وتركز على السنوات الست الأخيرة من عمره والتي بدأت بنشر "مزرعة الحيوان"، وانتهت باكتمال كتابته لروايته "1984" ونشرها.
يوميات جورج أورويل المتخيّلة
تبدأ رواية بيسيل التي تضمنتها القائمة القصيرة لأفضل رواية في أسكتلندا عام 2019، بسرد ذاتي يتولاه أورويل نفسه، فيبدو ذلك السرد وكأنه جزء من يوميات بدأ كتابتها في العام 1944. وتنتقل دفة السرد منه إلى راو عليم تارة وإلى زوجته الثانية سونيا، تارة أخرى لتعود إليه مجدداً من حين إلى آخر. وعموماً يتخذ بيسيل من يوميات سونيا المتخيلة متكئاً لسرد الكثير عن أورويل في سنواته الأخيرة. ويرجع ذلك إلى العام 1980 عندما شعرت سونيا بدنو الأجل نظراً لبلوغها مرحلة حرجة من مرض السرطان، فتقرر أن تكتب عن ذلك الأديب الفذ ما كان يتحرج عن نشره بخصوص حياته الشخصية ونزواته العاطفية وتفاصيل هوسه من احتمال أن يكون مستهدفاً من عملاء الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين. ويورد بيسيل من ضمن تلك اليوميات ما كتبته سونيا أثناء إقامتها في فندق "بليك" في لندن بتاريخ تشرين الثاني/نوفمبر 1980 قولها: "قررتُ أخيراً أن أروي القصة عن جورج من جانبي. تداولوا الكثير من الأكاذيب، وليس لديَّ الكثير من الوقت المتبقي. كان جورج قد نصَّ في وصيته على عدم كتابة سيرته. كان حازماً في ذلك. ولعدة سنوات بذلت كل ما في وسعي لاحترام رغبته" (ص 51).

في الفصل الأول يحكي أورويل عن علاقته بزميلته في صحيفة "التريبيون"، سالي ماكيوين، وكيف أن زوجته إيلين خيَّرته بين أن يستمر زواجهما أو أن ينهي تلك العلاقة، فاختار الإخلاص لها خصوصاً بعدما تيقَّن من عقمه، واتفق معها على تبني طفل. كان أورويل وقتذاك قد بلغ الأربعين من عمره، يعاني من السل، ومن التشخيص الخطأ لمرضه على أنه داء في المعدة، وكانت زوجته التي تماثله في العمر، معتلة الصحة أيضاً، وكانا قد انتقلا للتو إلى منزل جديد بعدما تهدم منزلهما من جراء قصفه من جانب الألمان. وهنا قرر أورويل، واسمه الحقيقي إيريك بلير، الدفع بمخطوطة روايته "مزرعة الحيوان" للنشر، فكانت العمل الذي وضعه في مصاف الكتاب المشهورين على مستوى عالمي، مع أنه كان قد نشر قبلها العديد من الكتب وعمل في برامج لإذاعة "بي بي سي" موجَّهة إلى شبه القارة الهندية التي سبق أن عرفها عن كثب خلال سنوات عمله في العشرينات شرطياً في بورما.
رجل مختلف
كان أورويل في مهمة عمل في باريس عندما بلغه نبأ موت زوجته أثناء خضوعها لجراحة، فعاد من فوره إلى لندن ليشارك في تشييع جنازتها شاعراً بالذنب لأنه لم يكن زوجاً مخلصاً، وشاعراً كذلك بالأسى لأن مهمة تربية طفلهما المتبنى ستقع على عاتقه وحده. وتتطرق الرواية عبر سرد سونيا إلى أن أورويل ترك عمله الشرطي في بورما ليحترف الكتابة، فجاء كتابه عن حياته متشرداً بين باريس ولندن، الذي اعتبره في وقت لا حق عملاً مليئاً بالتفاهات. أما كتابه عن الحرب الأهلية في إسبانيا فقد أثار عاصفة من الجدل، علماً أنه ظل يعاني إلى أن مات من أثر رصاصة أصابته في عنقه خلال تلك الحرب. أما مقالاته فكانت تزخر بنقد الحزب الشيوعي البريطاني و"جبهته الشعبية المحبوبة"؛ "لم يكن لدى أحد الجرأة على فعل ذلك، لكن جورج كان يجب أن يكون الرجل المختلف وهكذا زاد عدد أعدائه اليساريين". وعكست مقالاته في "هرايزون" هوسه بفكرة أن "الحرب ستتسبب في اندلاع ثورة في إنكلترا ضد الرأسمالية". كان يكبر سونيا في العمر، بنحو 13 عاماً، عندما تعارفا وارتبطا بعلاقة حميمة عقب وفاة زوجته، لكنها ظلت ترفض أن تتزوجه؛ لأنه كان يرغب في أن تقيم معه في جزيرة بريطانية نائية اختارها خصيصاً ليتمكن من التفرغ لكتابة "1984" التي كان يخشى أن توافيه المنية قبل أن ينتهي من كتابتها.

لكنها على أية حال ستوافق على الزواج منه على ألا يترتب على ذلك أن تقيم معه في جزيرة "جورا". أحبته مع أنها وجدته من النوع الذي "لا يولي احتياجات المرأة التي تشاركه الفراش اعتباراً". كما أنه كان يرهقها بتوهمه أنه مُراقَب. أما أورويل فقد علق على رفضها الزواج منه في البداية بقوله: "عندما كانت الأمور تسير بشكل جيد مع سونيا، تمكنتُ من إفسادها بكل براعة. أنا متسرع جداً مع النساء. هذه مشكلتي دائماً. متحمس جداً، غير قادر أبداً على فهم العلامات" (ص 76).
جورج أورويل وموقفه من الديكتاتورية
كتب أورويل"مزرعة الحيوان" انطلاقاً من قناعة مؤداها أن الثورات التي تقودها أحزاب بلشفية مركزية مصيرها دائماً أن تنحرف نحو الديكتاتورية، كما شهدنا في روسيا. ولكن إذا كانت الجماهير يقظة وتتحرك للإطاحة بالقادة الذين يزدادون قوة، فإن الثورات قد لا تكون محكوماً عليها بالفشل. ما عايشتُه في برشلونة خلال الأيام الأولى علمني ذلك" ص 81. هو كان هنا يتناقش مع صديق له كان يرى أن "مزرعة الحيوان" تعكس إيمان أورويل بأن "الثورات محكوم عليها بالفشل بما أنها تأتي في النهاية بنظم حكم ديكتاتورية".
كانت "1984" مختمرة في ذهنه لفترة زمنية طويلة، إلى أن بدأ كتابتها في تموز/يوليو 1946، بعما تفاقم اعتقاده بأن الشيوعيين يدبرون خطة لقتله، كتلك التي دبرها ستالين للتخلص من تروتسكي، ولذلك كان يحتفظ دائماً بمسدس ليستخدمه في الدفاع عن نفسه في حال تعرض لمحاولة اغتيال. كان يشعر أن هذه الرواية ستكون عمله الأدبي الأخير؛"أكثر ما أريده الآن هو إنهاء هذه الرواية. أكره المستبدين وأتباعهم بشدة، وأعتقد أن هذه الرواية يمكن أن تفعل شيئاً حيالهم. إنها تمثل خلاصة كل ما كنت أفكر فيه وأقوله لسنوات، ولن أتخلى عنها بسهولة" ص 195. وبحسب الراوي العليم، كان جورج يعلم أن حديثه لبعض القريبين منه عن أنه مستهدف من جانب من يريدون له الموت، لا يحظى بتصديقهم له. كانوا يعتقدون أنه يتوهم، "ولكنه كان متأكداً من أن الوقت سيكشف صحة شكوكه. كان يعرف أن بعض أفضل أصدقائه جواسيس". لكنه عاش حتى وجد عزاء في أن روايتيه الأخيرتين لاقتا استحسان الجمهور؛ لقد حققت ث ما كنت أسعى إليه؛ أن أحذر العالم من مخاطر الاستبداد. نعم سيكون هناك طغاة في المستقبل، ولكن الشعب وحده هو من يمتلك القوة لإيقافهم" (ص 266).