السلام كترجمة دستورية لإرادة الدولة
المحامي ربيع حنا طنوس
تعبت الأوطان من الحروب، لا من أزيزها وحده، بل من عجزها المتكرر عن أن تتعلّم. فكلّ حربٍ تُخاض كأنها الأولى، وكل خرابٍ يُبنى عليه كأنه قدر لا يُردّ. وبين اندلاعٍ وانطفاء، يبقى السلام مؤجّلاً، لا لأنه مستحيل، بل لأننا نحسن انتظار نهايات لا نصنعها.
غير أنّ أخطر ما في هذا الانتظار، أن يتحوّل إلى ذهنيةٍ عامة: نترقّب الترياق كأنه سيأتي من خارج الجرح، ونقلّق الحلول على لحظةٍ غامضة، بدل ان ننتجها من داخل الدولة. وكأن الأزمات تُحلّ بذاتها، او كأن الزمن يفاوض نيابةً عنّا.
إلاّ أن السلام لا يولد من التعب، ولا من التمنّي، بل من قرارٍ يُترجم ضمن مؤسسات قادرة على حمله. فالدول التي تتقن صناعته، لا تنتظر معجزة، بل تنشىء له مساراً وتخضعه لقواعد، فتتحوّل الإرادة من رغبةٍ سياسية إلى التزامٍ دستوري. عند هذه النقطة، لا يعود السلام نقيضاً للحرب فحسب، بل يصبح فعلاً من أفعال الدولة، تحدّده النصوص وتديره الصلاحيات. وهنا يبدأ الدستور بالكلام، إطاراً ملزماً لا مرجعاً نظرياً.
وفي هذا الإطار، تبرز المفاوضات المباشرة كأداة أولى لتنظيم الصراع. فالحوار حين يدار خارج المؤسسات يبقى هشّاً. أما حين يدرج ضمن النظام الدستوري، فيتحوّل إلى مسارٍ منتج لالتزاماتٍ واضحة تنهي التعليق المزمن بين الحرب والسلام. فمرحلة التفاوض إن اتسمت بطولها، تبقى محكومةً بحسن النية وموجبات متقابلة، بما يحظر الانقطاع غير المبّرر ويصون جديتها كآلية ملزمة.
فالتفاوض في هذا المعنى ليس تنازلاً، إنما فعل سيادي يقاس بمدى انضباطه بالقواعد لا بحدّة الموافق. ومن هنا، يتحدّد موقع رئاسة الجمهورية عملاً بأحكام المادة 52 من الدستور اللبناني بصفتها ركيزة صناعة القرار الخارجي. فصلاحية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها، بالاتفاق مع رئيس الحكومة وضمن إطار مجلس الوزراء، لا تمثل توزيعاً إجرائياً للمهمات، بل تؤسس لمسارٍ يخرج التفاوض من حيّز المبادرة إلى حيز الالتزام.
إن هذا التدّرج من التفاوض إلى الاتفاق ثم الالتزام، وصولاً إلى الرقابة البرلمانية عند الاقتضاء، يظهر ان السلام لا ينتج دفعةً واحدة، بل يبنى ضمن حلقاتٍ متكاملة، تتوازن فيها السلطات ويصان من خلالها القرار الوطني.
وبذلك، يغدو التفاوض جزءاً من وظيفة دستورية منظّمة لا فعلاً عابراً أو قابلاً للاجتهاد. فالرئاسة، في هذا السياق لا تدير العملية فحسب، بل تؤطرها وتمنحها شرعيتها، بحيث يتحوّل الاتفاق إلى قاعدة ملزمة لا إلى تسوية ظرفية.
وعليه، لا يكون الخطر في الحرب وحدها، بل في غياب المسار الذي يحول دون تكرارها. فحين تهمل الأصول يفقد أي اتفاق قدرته على الاستمرار، وحين يترك القرار خارج إطاره، يصبح السلام عرضةً للاهتزاز. من هنا لا يختزل السلام بوقف القتال، بل يقوم على قدرة الدولة على تنظيم إرادتها ضمن قواعد ثابتة، يتحوّل التفاوض إلى التزام والاتفاق إلى نظام. وعند هذا الحدّ يستقيم المعنى، السلام ليس خياراً ظرفياً، بل ترجمة دستورية لارادة الدولة، إرادة لا تنتظر الحلول، انما تنتجها. أما آن لهذه الدولة أن تتصّرف على أنها تملك من الأهلية ما يكفيها لصناعة سلامها، لا إنتظار ظروفه؟