السعودية وتركيا وباكستان تبني مظلة دفاعية... نواة "ناتو" إقليمي؟
على كفّ مضيق يتأرجح أمن الشرق الأوسط واستقرار الاقتصاد العالمي. وبين المفاوضات والتحشيدات تترنح مذكرة تفاهم وُقّعت مع إيران قبل أكثر من 60 يوماً على ضفاف بحيرة لوسيرن في سويسرا.
المؤشرات الميدانية منذ ذلك الحين كانت تتجه نحو التصعيد المضبوط على توقيت واشنطن، لكنّ ذلك لم يعنِ أن أمان المنطقة وأمنها كانا مستقرين. أبعد من ذلك، فإن القبول الأميركي بأي سيطرة إيرانية على مضيق هرمز وجدت فيه دول الخليج تهديداً لأمنها القومي.
أمام هذا الواقع شديد التعقيد في منطقة تتقاطع وتتنافر فيها المصالح الإقليمية والدولية، جاء الحدث من مدينة مكة المكرمة: اتفاق دفاعي ثلاثي يضم السعودية وتركيا وباكستان، بعدما كانت المملكة قد أعلنت تحالفاً متعدد الجنسيات لضمان أمن البحر الأحمر والممرات الملاحية، وقبله اتفاقاً استراتيجياً ثنائياً مع باكستان.
ومما جاء في بيان اتفاق مكة: "تهدف الاتفاقية إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء"، وتنص على أن "أي هجوم مسلّح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع"، كما تُعنى الاتفاقية بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بينها.
الأكاديمي في "جامعة الفيصل" الدكتور خالد باطرفي يؤكد أن "أهمية الاتفاق في أنه ينقل التعاون العسكري بين الدول المشاركة من مستوى التنسيق الثنائي إلى إطار ردع جماعي أكثر وضوحاً".
ويشير الباحث السياسي السعودي، في حديثه مع "النهار"، إلى مسألة أساسية، فالاتفاق برأيه "يبعث برسالة سياسية بأن أمن الدول المشاركة بات يُنظر إليه باعتباره مصلحة جماعية تستوجب التنسيق العسكري والاستخباراتي والتقني، متجاوزاً إطار المسؤولية الوطنية المنفردة".
إيران واستراتيجية الضغط
في الداخل الإيراني، جاء تعيين القائد الأسبق للحرس الثوري اللواء محسن رضائي في منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني دلالة على أن الخيارات العسكرية تتقدم على ما عداها في طهران. والكشف عن خطط لاستهداف السعودية بهجمات متزامنة من الحوثيين في اليمن والفصائل العراقية كان بمثابة إنذار براية حمراء.
وأول تعليق على الاتفاق الثلاثي جاء من عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، بمنشور على منصة "أكس"، قال فيه: "على السعوديين أن يدركوا أن اتفاقاً ورقياً مع تركيا وباكستان لن يحقق لهم الأمن، تماماً كما فشلت عقود من الاعتماد أحادي الجانب على الأميركيين في تحقيق ذلك"، مطالباً في المقابل بتغيير سياسة الرياض.
وفي هذا السياق، يرجح الدكتور باطرفي أن تُواصل إيران "استراتيجية الضغط غير المباشر" بدل المواجهة العسكرية التقليدية، "فهي تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع تحالف إقليمي أوسع قد ترفع كلفة التصعيد عليها بصورة كبيرة. لذلك قد يكون الرد عبر تكثيف نشاط الجماعات الحليفة في اليمن والعراق، أو عبر الضغوط السيبرانية والحملات الإعلامية، أو رفع مستوى التهديد دون تجاوز العتبة التي تؤدي إلى حرب شاملة".
ويستطرد قائلاً إن وجود إطار دفاعي أكثر تماسكاً "يرفع أيضاً كلفة استخدام هذه الأدوات، ويعزز قدرة الدول المتضررة على الردع والتنسيق الأمني". ويؤكد أن التقارير الأخيرة عن استعدادات لميليشيات مرتبطة بإيران لاستهداف المملكة "تعزز أهمية هذا النوع من الترتيبات الدفاعية".

ناتو إسلامي؟
ما إن تمّ الإعلان عن الاتفاق حتى بدأت كبريات وسائل الإعلام في الولايات المتحدة بوصف الحدث بأنه "رغبة إقليمية حاسمة" في الانتقال من "الأمن المستورد" إلى الأمن الذاتي المشترك، في انعكاس لتراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأميركية.
فقد فتح هذا الاتفاق مسرحاً جيوسياسياً يمتد من البحر الأسود وصولاً إلى المحيط الهندي، مروراً بالبحر الأحمر والخليج العربي. وهو يضمّ ثلاث دول إسلامية كبرى: باكستان النووية، والسعودية، الدولة العربية الوحيدة ضمن مجموعة العشرين وأحد أكبر مصدري النفط، وتركيا التي لديها من الصناعات العسكرية ما يكفي لتحتل دوراً فاعلاً في حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذه الدول وقّعت على اتفاق دفاع مشترك، في وقت تبدو فيه حالة اللايقين هي المسيطرة على ما عداها. فإلى جانب الحرب مع إيران، هناك الصراع مع إسرائيل التي تحاول توسيع نطاق نفوذها الإقليمي، دون أن نترك الصراع الدولي على ممرات سلاسل الإمداد.
وهنا بدأ السؤال: هل نحن أمام نواة "ناتو إسلامي"؟ عن ذلك يجيب باطرفي بأنه من المبكر وصفه بأنه "ناتو إسلامي"، ويوضح أن حلف "الناتو" يقوم على مؤسسات دائمة وهيكل قيادة موحد وخطط عمليات مشتركة والتزامات قانونية وعسكرية متكاملة، بينما "لا يزال الاتفاق الحالي أقرب إلى إطار للتعاون والدفاع الجماعي منه إلى تحالف عسكري مكتمل البنية. وإذا تطور مستقبلاً، سوف يحتاج إلى تجاوز عدة تحديات".
ويضع الباحث عينه على هذه التحديات ضمن أربعة عناوين رئيسة: توحيد العقيدة العسكرية وآليات القيادة والسيطرة بين الجيوش المختلفة، وإدارة التباينات السياسية بين الدول الأعضاء وعلاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية، والحفاظ على الطابع الدفاعي للتحالف وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تحظى بإجماع أعضائه، ومن ثم تحقيق تكامل فعلي في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي والصناعات العسكرية.
ويختم بالقول: "إن الاتفاق قد يمثل بداية لبنية أمنية إقليمية جديدة، لكنه لا يزال بعيداً عن النموذج المؤسسي لحلف الناتو، ويعتمد نجاحه على قدرته على التحول من إعلان سياسي إلى منظومة عملياتية فعالة".
أمن إقليمي بأعباء محلية
وأمام هذا التطور الجيواستراتيجي في المنطقة، شددت الحكومة التركية على أن الاتفاقية لا تتعارض مع التزاماتها القائمة تجاه التحالفات الدولية، بما فيها حلف "الناتو"، بل على العكس رأت فيها "آلية تعاون متممة تدعم الأمن الإقليمي".
في المقابل، عبّرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلق داخلي من أن هذه الخطوة قد تُحدث تغييراً في موازين القوى الإقليمية.
لكن الأهم أن اتفاق الدفاع المشترك بين الدول الثلاث، ومن خلال تعزيز الأمن الإقليمي الذاتي، يأتي منسجماً تماماً مع استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أعلن عنها البيت الأبيض في كانون الأول/ديسمبر الماضي، والتي تنص على ضرورة تحويل عبء الدفاع الإقليمي إلى الحلفاء، دون أن يعني ذلك أن الولايات المتحدة تبتعد عن المنطقة.
أمّا ميدان الاختبار الأول لهذا التحالف الاستراتيجي، فمن شأنه أن يكون البوصلة لمسار النظام الإقليمي الجديد، ومن خلفه الصراع العالمي على نظام متعدد الأقطاب.