السعودية تعيد هيكلة حوكمة التعليم العام بنظام يفتح الباب للقطاع الخاص
وافق الملك سلمان بن عبدالعزيز على نظام جديد للتعليم العام يعيد رسم قواعد إدارة القطاع في السعودية، ويشرّع لأول مرة مشاركة موسّعة للقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي في تقديم خدمات التعليم العام، في خطوة تأتي بعد عقد شهد ثبات الإنفاق الحكومي على التعليم عند مستويات قريبة من عام 2016 رغم تضاعف الميزانية العامة للدولة. ونُشر نص النظام كاملاً في الجريدة الرسمية "أم القرى"، على أن يبدأ تطبيقه بعد 180 يوماً من تاريخ النشر وفقاً للمادة الثامنة والستين منه.
إعادة هيكلة الحوكمة
يستحدث النظام "مجلساً لشؤون التعليم العام" برئاسة وزير التعليم، تضم عضويته نواب وزراء الاقتصاد والتخطيط، والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والمالية، والثقافة، والرياضة، والاستثمار، والصحة، إضافة إلى رئيس هيئة تقويم التعليم والتدريب وأربعة مختصين، من بينهم ممثلان من القطاعين الخاص وغير الربحي، وفقاً للمادة السابعة. ويملك هذا المجلس صلاحيات واسعة تشمل إقرار السياسات والاستراتيجيات، وتحديد سن القبول، وإقرار اللوائح المنظمة للمؤسسات التعليمية الخاصة والافتراضية، بما في ذلك تحديد المقابل المالي لتراخيصها، حسب المادة الثامنة.
تشريع صريح لمشاركة القطاع الخاص
يخصص النظام فصلاً كاملاً (الفصل الخامس) لتنظيم "مشاركة القطاع الخاص، بما في ذلك الاستثمار الأجنبي والقطاع غير الربحي، في تقديم خدمات التعليم في مراحل التعليم العام، بما يدعم نموه والتوسع فيه"، وفقاً للمادة الحادية والثلاثين. ويجيز النظام للوزارة، وفق أحكام يقرها المجلس، إسناد إدارة أو تشغيل بعض المؤسسات التعليمية الحكومية للقطاع الخاص، وإسناد أراضٍ أو مبانٍ تعليمية له لاستثمارها أو تشغيلها، بما في ذلك المستثمر الأجنبي، وفقاً للمادة الرابعة والثلاثين. كما يمنح النظام الوزارة صلاحية تقديم دعم مالي أو عيني أو توفير موارد بشرية للمؤسسات التعليمية الخاصة، بالاتفاق مع وزارة المالية واللجنة الوطنية للحوافز.
بالإضافة إلى ذلك، تضع الوزارة معايير تعديل الرسوم الدراسية على الطلاب المسجلين في المؤسسات الخاصة وترفعها للمجلس لاعتمادها، على أن تحدد كل مؤسسة خاصة رسومها ضمن هذه المعايير المعتمدة، وفقاً للمادة الخامسة والثلاثين. ويربط النظام أيضاً بين مسارات التعليم العام واحتياجات سوق العمل، إذ يمنح الوزارة صلاحية وضع "مسارات تعليمية مهنية أو متخصصة ضمن مراحل التعليم العام، بما يناسب احتياجات سوق العمل"، وفقاً للمادة الثامنة عشرة.

الزاوية المالية: عقد من ثبات الإنفاق
يأتي هذا الانفتاح التشريعي على القطاع الخاص في وقت لا يزال الإنفاق الحكومي الفعلي على التعليم قريباً من مستواه قبل عشر سنوات. فقد بلغ الإنفاق الفعلي على قطاع التعليم في ميزانية 2016 نحو 205.8 مليار ريال (54.9 مليار دولار)، بينما لا يتجاوز المخصص لعام 2026 نحو 202 مليار ريال (53.9 مليار دولار)، أي بتراجع اسمي طفيف يقارب 2 بالمئة على مدى عشر سنوات كاملة، بحسب بيانات وزارة المالية الواردة في وثائق الميزانية السنوية.
في المقابل، تضاعف إجمالي الإنفاق الحكومي العام تقريباً خلال نفس الفترة، من 825 مليار ريال في 2016 إلى 1,313 مليار ريال في ميزانية 2026، ما أدى إلى تراجع حصة التعليم من إجمالي الميزانية العامة من نحو 25 بالمئة في 2016 إلى نحو 15.4 بالمئة فقط في 2026. ويعني ثبات المبلغ المطلق للإنفاق مع تراجع وزنه النسبي في الميزانية أن القطاع لم يحصل على زيادات حقيقية تتناسب مع نمو الإيرادات والنفقات العامة للدولة خلال العقد الماضي، وهو سياق مالي يفسر جزئياً توجه النظام الجديد لفتح المجال أمام تمويل واستثمار القطاع الخاص لتخفيف الاعتماد على الموازنة الحكومية وحدها في تطوير التعليم.

ما تبقى من الفصول التنظيمية
يمنح النظام الطلاب حقوقاً صريحة تشمل بيئة تعليمية آمنة نفسياً وجسدياً، وحماية من جميع أشكال الإيذاء، وحق تسلّم شهادة النجاح دون قيد أو شرط بعد إتمام السنة الدراسية، وفقاً للمادة الثامنة والثلاثين. وفي مقابل هذه الحقوق، يشدد النظام الرقابة على المؤسسات التعليمية الخاصة عبر سلّم عقابي واضح يبدأ بالإنذار ويصل إلى إلغاء الترخيص، مروراً بغرامات مالية تتراوح بين 5,000 و50,000 ريال (1,333 و13,333 دولاراً)، وفقاً للمادة الستين. ويكشف هذا التدرج العقابي عن نية المشرّع في ضبط جودة القطاع الخاص بالتوازي مع فتح الباب لتوسّعه، بما يحد من المخاطر التنظيمية التي قد تواجه المستثمرين الجادين وتردع في الوقت نفسه المخالفات المحتملة.