السر المهني الطبي

مما لا ريب فيه، أن الحق في الصحة هو من الحقوق التي سارعت كافة الدول والمنظمات على الصعيد العالمي للتظافر بهدف حمايته والاضطلاع به، وتشكل منظمة الصحة العالمية حجر أساس في بلورة مفهوم هذا الحق إلى جانب عدد من الفاعلين والمتدخلين ذوي الصلة بقطاع الصحة.

وجلي بالذكر أن نجاح أي منظومة تنطلق من إيجاد إطار منظم للحقوق والواجبات والالتزامات لكل فاعل فيها، بالإضافة إلى حل الإشكالات التي يعاني منها المجتمع، وهنا نجد غاية ودور القانون، الذي يتجاوز حدوده ودوره الغاية التنظيمية، ليشكل أداة فعالة داخل المجتمعات لتحقيق التنمية، ولن تكتمل مراد هذه التنمية دون ربطها برفع الثقافة القانونية للعنصر البشري سواء كان فاعلا أو مستقبلا.

ذلك أن الموارد البشرية لقطاع الصحة وإن كانت تعرف صدى محمودا على مستوى الكفاءات الوطنية والإقبال على استقطابها على الصعيد الدولي، لما يعرفه تمكنها من الجانب التقني وجودة تكوينها، بيد أن ذلك يرافقه إشكالات تكمن أبرزها في قلة الموارد البشرية وهجرة الكفاءات بالإضافة إلى التركيز على تطوير المهارات والكفاءات التقنية وتجاوز التكوين والتكوين المستمر في المبادئ الأساسية القانونية، مما قد يؤدي إلى الوقوع في إشكالات قانونية، أبرزها الإشكالات التي تحيط السر المهني الطبي، من قبيل حدود المعلومة الطبية في الأبحاث العلمية والتداريب الأكاديمية، والسر المهني الطبي المشترك، وخصوصية السر المهني الطبي، والشهادة أمام المحاكم بمعلومات تخص المريض وغيرها.

لنقف في هذا المقال للإشارة إلى تحديد ماهية السر المهني الطبي، إذ يعتبر معلومة طبية ولكن ذات طابع خاص، إذ لا تخضع للقواعد الساري بها العمل بخصوص مقتضيات “الحق في الحصول على المعلومة”، ذلك أنها تخص المريض، يطلع بها حصرا مهني الصحة المعني بصفة مباشرة بعلاج وتقديم الاستشارة للمريض بهدف مساعدته وفقا لتداعياته الصحية واختصاصه.

كما أن زمان هذا الالتزام القانوني لا ينحصر في وقت تلقيها، أو أثناء مزاولة المهنة، بل تلزم مهني الصحة أيا كانت صفته بعدم الإفصاح بها سواء وقت تلقيها أو حتى بعد مغادرة مهنته عند انتهاء الدوام اليومي أو حتى بعد الإحالة على التقاعد مالم يتم الإذن بالإعلان صراحة، كما أن حدود السرية المهنية لا تقتصر على ما صرح به المريض بل تتعداه إلى ما سمعه أو قرأه أو حتى ما فسره الطبيب ومهنيو الصحة.

وتكمن طبيعة السر المهني الطبي في كونه التزام أخلاقي، حيث أنه مبدأ أخلاقي نابع من المبادئ الأساسية لمهن الصحة وهو مبدأ الثقة والذي نص عليه “قسم أبقراط” باعتباره الوثيقة المرجعية لأخلاقيات المهن الصحية، كما أنه التزام قانوني كونه يرتب مسؤوليته على عاتق الطبيب أو مهني الصحة فور توصلهم بالمعلومة، وتترتب اثار هذه المسؤولية إذا تم الإفصاح عن ذلك السر المهني للغير بأية وسيلة كانت، إلا في الحالات التي يجيز فيها القانون إمكانية الإفصاح للجهات المختصة.

فالغاية من الحماية القانونية للسر المهني، حماية مصلحة المريض ومصلحة المهنة ومصلحة المجتمع عامة إذ أن حماية خصوصية المريض هي من الضمانات القانونية التي جاء بها المشرع لحماية الطرف الضعيف الذي يتمثل في المريض في هذه الحالة، فضرورة العلاج وحاجة المريض لمساعدة مهني الصحة وتمكينه من اللجوء إلى الاستشفاء الذي يلزم على المريض البوح للطبيب بكافة تفاصيل حالته الصحية لمساعدته في حسن تشخيص المرض. تقتضي عليه التقيد بالمقتضيات القانونية الحمائية للطرف الضعيف، كحقه في عدم اعتماده كعينة في بحوث بذكر الاسم أو ما يصفه ويبين هويته.

ونجد القانون قد أحاط النقطة المتعلقة بحماية السر المهني الطبي في عدد من النصوص، وقد كان المشرع الجنائي واضحا في هذه النقطة من خلال نص الفصل 446 من القانون الجنائي المغربي، والذي جعل الأشخاص المعنيون بالسر المهني غير محددون على سبيل الحصر، بل على سبيل المثال، ضمانا لتقيد مهن ذات طابع أمناء الأسرار بحق الطرف الضعيف في العلاقة.

وقد اعتبر المشرع إفشاء السر المهني الطبي جريمة إذا توافرت عناصرها الأساسية، وجب تطبيق العقوبة المقررة لها، وهي طبقا للمادة 446 من القانون المغربي عقوبة الحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من ألف ومائتين إلى عشرين ألف درهم.

بيد أنه جاء المشرع حصرا بإمكانية إفشاء السر المهني في حالتين نص عليهم الفصل 446 من القانون الجنائي، حالة الإجهاض والعنف ضد الأطفال والأزواج. هذا مع إمكانية إفشاء السر للسلطات المختصة في الحالات التي يقررها القانون كالأوبئة والأزمات التي يصدر بمقتضاها قرار بالتبليغ عنها. كما جاء في مرسوم ملكي رقم 554.65 بتاريخ 17 ربيع الأول 1387 (26 يونيو 1967) بمثابة قانون يتعلق بوجوب التصريح ببعض الأمراض واتخاذ تدابير وقائية للقضاء على هذه الأمراض. نص الفصل الأول منه: “أن حالات الأمراض الجاري عليها الحجر الصحي والأمراض المعدية أو الوبائية الموضوعة قائمتها بقرار لوزير الصحة العمومية، يجب التصريح بها على الفور من طرف أصحاب المهن الطبية الذين أثبثوا وجودها إلى كل من السلطة الإدارية المحلية والسلطة الطبية للعمالة أو الإقليم.

ويتعين أيضا على أصحاب المهن الشبيهة بالطبية المأذون لهم قانونيا في مزاولة المهنة أن يصرحوا بها فورا إلى السلطة الطبية للعمالة أو الإقليم التي تعمل على التأكد من هذه الحالة بواسطة أحد الأطباء”

وعلى مستوى قوانين الصحة، فقد أشار قانون الوظيفة الصحية إلى الالتزام بالسر المهني الطبي في كل من المادة 4 منه: “يتمتع مهنيو الصحة بحرية الرأي والتعبير والفكر، ضمن الحدود والمجالات التي يكفلها الدستور وما يفرضه احترام واجب السر المهني وأخلاقيات المهنة”.

وأشارت المادة 12 من قانون الوظيفة الصحية: “يلزم مهنيو الصحة بواجب التحفظ دون الإخلال بمقتضيات المادة 4. كما يلزم بحفظ السر المهني، بشأن كل فعل أو عمل أو معلومة أو وثيقة يطلعون عليها أثناء ممارستهم لوظيفتهم أو بمناسبة ممارستها، طبقا للنصوص الجاري بها العمل، ولاسيما القانون رقم 08.09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي

خاتمة القول، إن كان المشرع المغربي قد عمل على حماية الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية الطبية، وجعل خصوصية المريض التزاما قانونيا يقع على عاتق مهني الصحة بمقتضى القانون، فإن الخطى المحمودة الصدى للتطورات التي يعرفها المجال الطبي أبرزها الرقمنة، تجعل المشرع ملزم بإيجاد آليات تشريعية جديدة استباقية وحمائية لخصوصية المعلومات الرقمية للمريض تواكب ما يعرفه التطورات الطبية على الصعيد الوطني والدولي.

-أستاذة التعليم العالي محاضرة، الرباط
متخصصة في القانون

The post السر المهني الطبي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress