السدود تصمد أمام التبخر في المغرب
تواجه سدود المملكة، نهاية شهر ماي في ظل طقس صيفي حار، موجات حرارة مبكرة ومتتالية؛ في ظروف مناخية عادة ما تُثير المخاوف بشأن مخزون الثروة المائية السطحية وتأثرها المباشر بظاهرة التبخر المتسارعة.
إن القراءة الرقمية في البيانات الرسمية الصادرة عن مديرية البحث والتخطيط المائي بوزارة التجهيز والماء، اليوم السبت، تحمِل مؤشرات أمان مائي “مطمئنة” للغاية؛ إذ أثبتت المنشآت المائية صمودا كبيرا ببلوغ نسبة الملء الإجمالي للمملكة 75.94 بالمائة.
هذا الرقم يعني بشكل مباشر أن ثلاثة أرباع السعة الإجمالية للسدود المغربية ممتلئة بالكامل، محققة احتياطيا استراتيجيا من المياه السطحية يبلغ 12.931,14 مليون متر مكعب (حوالي 12,93 مليار متر مكعب)، من أصل سعة إجمالية نظامية تقدر بـ 17.027,59 مليون متر مكعب، وفق معطيات رسمية.
“مقاومة” التبخر
حسب ما تتبعته جريدة هسبريس في استقرائها للمعطيات، تُظهر المقارنة السنوية “قفزة نوعية واستثنائية” في المخزون المائي للمملكة؛ ففي اليوم نفسه من السنة الماضية (23 ماي 2025)، كانت نسبة الملء العام للسدود تقف عند حدود 40.02 في المائة فقط (بمخزون لم يتعدَّ 6.8 مليارات متر مكعب، حينها). ويشكل هذا الفارق الشاسع والإيجابي المنظومةَ المائية الوطنية هامش مناورة “مريحا جدا وحائط صد متينا في مواجهة تحديات الصيف الحار”.
وعلى الرغم من أن الارتفاع الكبير، طيلة أيام الأسبوع الأخير من ماي في درجات الحرارة (تتجاوز القياسات في بعض الأقاليم الداخلية وسط وجنوب المغرب 40 درجة مئوية حسب مديرية الأرصاد الجوية) يؤدي حتما إلى تسريع وتيرة تبخر المياه السطحية من حقينات السدود، فإن ضخامة الكتلة المائية المخزنة (قرابة 13 مليار متر مكعب) تُقلل نسبيا من الأثر المئوي للتبخر، وتضمن استدامة الإمدادات الموجهة للماء الصالح للشرب وكذا مياه السقي طيلة الأشهر المقبلة، بالنسبة لعدد من السدود ذات الاستخدام الفلاحي.
الخريطة المائية
بالانتقال لتشريح هذه الاحتياطيات مائيا وجغرافيا مع دنوّ فصل الصيف، يتبيّن لمتتبع الشأن المائي بالمغرب أن ثمة “توزيعا جغرافيا” يمنح الأمان لمعظم الأحواض الحيوية، مع تسجيل تفاوتات طبيعية ومنطقية بين أحواض شمال البلاد ونظيرتها في الوسط والجنوب.
ومع تسارع أيام ماي نحو نهايته، ما زالت أحواض الصدارة و”الوفرة المطلقة” متمركزة في الشمال والوسط الشمالي من المغرب.
ويتربع “حوض سبو” على عرش الاحتياطيات بحجم مائي هائل يبلغ 4746,84 مليون متر مكعب ونسبة ملء تصل إلى 88.39 في المائة. ويعود الفضل الأكبر في ذلك إلى سد “الوحدة” (أكبر سدود المغرب) الذي بلغت نسبة ملئه 88.76 في المائة بمخزون يتجاوز وحده 3 مليارات متر مكعب.
حوض “اللوكوس” سجل، بدوره، النسبة الأعلى وطنيا بامتلاء شبه تام ناهز 97.23 في المائة وحجم مائي استقر عند 1792.41 مليون متر مكعب، مدفوعا بامتلاء كامل (100 في المائة) لسدود عديدة كـ”النخلة” و”شفشاون” و”الشريف الإدريسي”.
وسجلت أحواضٌ مائية مختصة في تزويد وتأمين الحواضر الكبرى بالساحل الأطلسي للمملكة، حوض أبي رقراق: حقق نسبة ملء متقدمة بلغت 89.74% (بحجم 1,322.16 مليون متر مكعب)؛ وهو ما يضمن تأمين المياه بالكامل لمحور (الرباط – الدار البيضاء) دون أدنى ضغوط صيفية أو إجراءات تقشفية.
أما حوض “تانسيفت” فسجل نسبة ملء ممتازة بلغت 94.78 في المائة؛ وهي طفرة حاسمة لتأمين الاحتياجات المائية لمدينة مراكش وأحوازها مع اشتداد الطلب في فصل الصيف الحار.
أحواض انتعشت..
حوض “أم الربيع” سجل صمودا مهما بنسبة ملء بلغت 65.72 في المائة (مخزون 3,288.44 مليون متر مكعب)، حيث حقق سد “بين الويدان” نسبة (93.83 في المائة)؛ في حين استعاد سد “المسيرة” الحيوية بنسبة ملء بلغت 42.74 في المائة ومخزون تجاوز المليار متر مكعب؛ في مؤشرات رقمية دالة على تحسن كبير مقارنة بالسنوات الجافة الماضية.
وإلى الشرق حيث استقر “حوض ملوية” عند نسبة ملء بلغت 73.03 في المائة بمخزون يعادل 512.27 مليون متر مكعب، مؤمّنا بذلك احتياجات الجهة الشرقية وأقاليمها؛ خاصة مع استفادته من ذوبان ثلوج قمم الأطلس المتوسط الشرقي.
كما تظهر الأرقام تأثرا نسبيا بالطبيعة المناخية الجافة لهذه المناطق؛ حيث سجل حوض سوس ماسة نسبة ملء متوسطة بلغت 54.53 في المائة (رغم أنها أفضل بكثير من نسبة 21.80 في المائة للسنة الماضية).
في حين يظل حوض “درعة واد نون” الأقل وطنيا بنسبة 38.17 في المائة، يليه حوض زيز كير غريس بنسبة 51.47 في المائة؛ مما يجعل هذه المناطق في مقدمة الحواضر المستهدفة ببرامج التدبير العقلاني الصارم للمخزون المائي لمجابهة طقس الصيف الأشد جفافا.
إجمالا، تدخُل المملكة المغربية فصل الصيف لعام 2026 وهي تتسلّح باحتياطيات مائية استراتيجية قوية تخفف من وطأة القلق حول “الإجهاد المائي الحاد”. وعلى الرغم من هذا الصمود الرقمي اللافت للمنشآت المائية، فإن دعوات السلطات المختصة والهيئات المدنية البيئية تظل قائمة بضرورة مواصلة الحكامة وترشيد الاستهلاك؛ بالنظر إلى أن الوعي المواطناتي هو صمام أمانٍ لا محيد عنه لحماية هذه الثروة المائية المخزَّنة من تحديات التبخر والاستنزاف.
The post السدود تصمد أمام التبخر في المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.