الرّدم ذاكرة… من كفررمان إلى "النهار"
ليس الرّدم نهاية مكان فقط. في الجنوب اللبناني، وفي قلب بيروت أيضاً، يتحوّل إلى بداية أخرى تُكتب من الألم، لكنها لا تستسلم له. من كفررمان إلى مبنى "النهار"، الفكرة نفسها: ما تهدّم يمكن أن يُستعاد، لا كنسخة عن الماضي، بل كذاكرة حيّة.
في كفررمان، جنوب لبنان، استهدفت غارة إسرائيلية وسط البلدة، في جوار النادي الحسيني المدمّر، حيث يقع منزل آل الزين التراثي، وتحديداً منزل سعد الزين الأثري، فحوّلته ركاماً. ودُمّر المنزل التراثي الذي ورثه عن والده، والذي شُيّد عام 1940. لم يكن المنزل مجرّد بناء، بل أرشيفاً عائلياً وثقافياً، احتفظ لسنوات بمقتنيات أثرية وفخاريات وأنتيكا توثّق مراحل من تاريخ عائلة "الزينية" في الجنوب اللبناني.
لكن وسط هذا الخراب، لم يتعامل سعد الزين، رئيس رابطة آل الزين، مع الركام كخسارة نهائية، بل كمادة أولية لشيء جديد. يقول في حديثه لـ"النهار": "إنّ الحجارة التي بُني منها المكان، ولا سيما الحجارة الصخرية، التي تشكّل أساساته، ما زالت موجودة رغم تكسّرها".
ويضيف أنه ينوي جمع هذه الحجارة من جديد وتحويلها إلى متحف كان موجوداً في منزله، بحيث تعود الذاكرة لتُحفظ داخل المادة نفسها، لا خلف واجهات زجاجية، لتبقى شاهدة على ما حدث.
يؤكد الزين في حديثه: "الألم حاضر، ولا يمكن إنكاره، لكنه ليس نهاية القصة. هو سيف ذو حدّين: يوجع من جهة، لكنه يعيد شحذ الوعي من جهة أخرى".
ويختم فكرته بالقول: "أريد أن أحوّل ما تهدّم إلى أمل، وما فُقد إلى بداية جديدة".
هنا، يصبح الردم جزءاً من الذاكرة لا إعادة إعمار فقط، بل إعادة قراءة لما حدث: كيف يمكن للدمار أن يتحوّل إلى مادة للحفظ، وللألم أن يصبح شهادة تُنقل للأجيال، لا أن يصبح جرحاً فقط.
وفي بيروت، تتكرّر الفكرة بشكل آخر داخل مبنى صحيفة "النهار". هناك، تحوّلت آثار الزجاج المكسّر، بعد انفجار مرفأ بيروت، إلى عمل فنّي دائم، حيث أعاد الفنان رودي رحمة تحفة توظيف الركام في تركيب بصري يحمل ذاكرة المكان واغتيال رئيس التحرير جبران تويني.
في هذا العمل، لا يُخفى الركام. يُعرض كما هو: زجاج مكسور يمرّ من خلاله الضوء، في تداخل بين الظلّ والإضاءة. لا يقدّم المشهد عزاء بقدر ما يقدّم استمراراً للمعنى: إن الفقد لا يمحو، بل يغيّر الشكل. وإن "النهار مستمرّة"، كما بقيت الفكرة حيّة بعد اغتيال جبران تويني.
هكذا، بين كفررمان وبيروت، يتحوّل الردم من أثر دمار إلى لغة. لا يعيد الأشياء إلى ما كانت عليه، لكنه يمنحها معنى جديداً: أن تستمر رغم الانكسار.