الرومانسية في مكان العمل... هل تستحق المجازفة؟
لم تعد الرومانسية في مكان العمل مجرد قصص يتداولها الموظفون، بل عادت إلى الواجهة حتى في هوليوود. ففي الفيلم الجديد "Office Romance"، تجسد جينيفر لوبيز دور الرئيسة التنفيذية لشركة طيران تقع في حب محامٍ جديد ينضم إلى فريقها، رغم سياسة الشركة الصارمة التي تمنع العلاقات بين الموظفين. وبين الانجذاب المتبادل والخوف من خرق القواعد، يطرح الفيلم سؤالاً يتردد اليوم في كثير من الشركات: هل يمكن للحب أن ينجح داخل المكتب؟
ويأتي هذا الطرح في وقت تتزايد فيه الشكاوى من تطبيقات المواعدة وصعوبة بناء علاقات حقيقية، ليعيد النقاش حول الرومانسية في مكان العمل (Office Romance) كبديل أكثر طبيعية من المواعدة الرقمية، رغم ما يرافقها من تحديات مهنية.

وتعكس الأرقام هذا التوجه؛ إذ أظهرت استطلاعات حديثة أن 16% فقط من الموظفين في الولايات المتحدة خرجوا في موعد مع زميل في العمل خلال العام الماضي، مقارنة بنحو 40% عام 2009. كما انخفضت نسبة الموظفين الذين قالوا إن لديهم إعجاباً بزميل من 49% عام 2024 إلى 22% عام 2025، بحسب تقرير "نيويورك تايمز".
ورغم هذا التراجع، يرى مؤيدو العلاقات في مكان العمل أنها تتيح التعرف إلى الطرف الآخر بصورة أكثر واقعية من تطبيقات المواعدة، من خلال التعامل اليومي ومواقف العمل، بعيداً عن الصور والانطباعات الافتراضية.
من الزمالة إلى الزواج
تروي باميلا لـ"النهار" أن قصة تعارفها على زوجها بدأت بطريقة غير متوقعة، إذ لم يكن أي منهما يرتاح للآخر في البداية، لكن مع مرور الوقت وتكرار المواقف اليومية، تحول النفور إلى تقارب، ثم إلى علاقة استمرت نحو أربع سنوات.
وبحكم عملهما في قسمين مختلفين، كانت لقاءاتهما تقتصر على فترات الاستراحة والغداء، حتى إنهما كانا يمزحان بأنهما يعملان في الشركة نفسها، لكنهما نادراً ما يلتقيان. ولأن سياسة الشركة كانت تمنع العلاقات العاطفية بين الموظفين، أبقيا علاقتهما سرية لمدة عامين تقريباً، وكانا مستعدين لاستقالة أحدهما إذا فرضت الشركة ذلك.

لكن عندما قررا الزواج وأبلغا الإدارة، جاءت النتيجة مخالفة لتوقعاتهما؛ إذ احتفظت الشركة بهما بعدما أثبتا أن علاقتهما لم تؤثر في أدائهما المهني. وحتى بعد الزواج، حافظا على الحدود المهنية، ولم يسمحا لحياتهما الشخصية بالتأثير في العمل.
View this post on Instagram
من علاقة سرية إلى اعتراف علني
يعكس فيلم "Office Romance" عبر نتفليكس واقعاً مشابهاً؛ إذ يحاول بطلا القصة مقاومة مشاعرهما احتراماً لسياسة الشركة وتجنباً لأي شبهات قد تؤثر في العمل أو في القضية التي يتوليانها. لكن الانجذاب بينهما يقودهما إلى خوض علاقة سرية، بكل ما تحمله من مخاطر مهنية وشخصية، في حبكة تجسد الصراع بين المشاعر واللوائح الداخلية.

وفي نهاية المطاف، يقرر الثنائي الإفصاح عن علاقتهما أمام الجميع، لتتمكن شخصية جينيفر لوبيز من الحفاظ على منصبها كرئيسة تنفيذية، ويحظى ارتباطهما بقبول داخل المؤسسة، في نهاية متفائلة توحي بأن الحب في مكان العمل يمكن أن ينجح عندما تُدار العلاقة بشفافية واحترام للقواعد المهنية، من دون أن يكون ذلك على حساب العمل.
وتدعم بعض الإحصاءات هذه التجارب، إذ تشير إلى أن أكثر من 40% ممن ارتبطوا بزميل في العمل انتهى بهم الأمر إلى الزواج، بينما يرى كثيرون أن العلاقة في المكتب تخلق قدراً أكبر من المسؤولية والاحترام، لأن الطرفين يلتقيان يومياً ويشتركان في بيئة واحدة، ما يقلل من السلوكيات السلبية التي قد تظهر في العلاقات التي تبدأ عبر تطبيقات المواعدة، بحسب تقرير "نيويورك تايمز".
حين تتحول العلاقة إلى عبء
في المقابل، يرى محمد أن الارتباط بشخص يعمل في المكان نفسه ليس فكرة جيدة، لأن الفصل بين الحياة المهنية والشخصية يصبح بالغ الصعوبة. فوجود الشريكين معاً طوال اليوم يجعل العمل محور حياتهما، كما أن الخلافات المهنية قد تتحول بسهولة إلى خلافات شخصية، والعكس صحيح.
ويؤكد، انطلاقاً من تجربته، أن هذا النوع من العلاقات قد يؤثر في الاحترافية ويثير شبهة المحاباة، خصوصاً إذا كان أحد الطرفين يشغل منصباً إدارياً. لذلك يعتبر أن مكان العمل قد يكون فرصة مناسبة للتعارف، لكن من الأفضل أن تتطور العلاقة خارج إطاره حفاظاً على المهنية.

ماذا تقول الشركات؟
ولهذا السبب، تعتمد شركات كثيرة سياسات واضحة لتنظيم العلاقات بين الموظفين. فبعضها يطلب الإفصاح عن العلاقة إذا استمرت فترة معينة، بينما تمنع شركات أخرى أي علاقة تجمع مديراً بأحد مرؤوسيه، حفاظًا على العدالة وتجنبًا لتضارب المصالح.
ويرى خبراء الموارد البشرية أن نجاح العلاقة داخل العمل يرتبط بقدرة الطرفين على الفصل بين حياتهما الشخصية والمهنية، والالتزام بالسلوك الاحترافي، واحترام حدود بيئة العمل، وعدم السماح للخلافات الخاصة بالتأثير في سير العمل أو العلاقات مع الزملاء.
الحب في المكتب... مخاطرة أم فرصة؟
ومع تزايد الإحباط من ثقافة المواعدة الرقمية، يعود السؤال مجددًا: هل يمكن أن يكون زميل العمل شريك الحياة المقبل؟
قد لا تكون الإجابة واحدة للجميع، فبين قصص انتهت بالزواج، وأخرى انتهت بخسارة العلاقة أو حتى الوظيفة، يبقى "Office Romance" تجربة تحكمها ظروف كل شخص وسياسات كل مؤسسة. وبينما يرى البعض أنها فرصة للتعرف إلى شريك الحياة في بيئة واقعية، يعتبرها آخرون مخاطرة قد يصعب احتواء تبعاتها. وفي النهاية، يبقى نجاحها مرهوناً بقدرة الطرفين على الموازنة بين المشاعر والاحترافية.