الرقابة المالية على المنصات الرقمية: لماذا تحتاج التشريعات إلى تحديث؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

*د. إسلام محمد سرور


يشهد الإطار التنظيمي للاقتصاد الرقمي تحدياً متزايداً يتمثل في اتساع الفجوة بين الطبيعة القانونية للمنصات الرقمية والوظائف الاقتصادية التي تؤديها. فكثير من منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة الفورية لم تعد تقتصر على نقل المحتوى، بل أصبحت تقدم خدمات مالية تشمل المحافظ الرقمية، والتحويلات بين المستخدمين، وأنظمة الدفع، والإكراميات، والتجارة المدمجة، بما يجعلها تؤدي عملياً وظائف مالية، رغم أنها لا تحمل تراخيص مصرفية ولا تُصنَّف قانوناً كمؤسسات مالية.

 

الفجوة التنظيمية تخلق مخاطر مالية
تكمن الإشكالية في أن بعض المنصات أصبحت تجمع الأموال وتنقلها وتحتفظ بها، لكنها ما زالت في كثير من الأنظمة تخضع لمتطلباتٍ تنظيمية أخف من تلك المفروضة على البنوك، وشركات الدفع، ومقدمي خدمات الأصول الافتراضية. وتوفر هذه الفجوة التنظيمية بيئةً قد تُستغل لإخفاء تدفقاتٍ مالية مرتبطة بتمويل الإرهاب أو الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ولم يعد استغلال المنصات يقتصر على نشر الدعاية أو التجنيد أو تبادل الرسائل المشفرة فحسب، بل امتد إلى إدارة دورة مالية متكاملة. فقد تبدأ العملية بحملة تبرعات ذات طابع إنساني، ثم ينتقل التواصل إلى قناةٍ مغلقة، وتُرسل بيانات محفظة رقمية أو رمز استجابة سريعة (QR Code)، قبل أن تمر الأموال عبر أكثر من مقدم خدمة أو أصل افتراضي باستخدام تقنيات إخفاء الهوية وشبكات البلوك تشين (Blockchain)، بما يصعّب تتبع الأموال أو تحديد المستفيدين النهائيين منها.

 

لماذا يصعب اكتشاف هذه الأنشطة؟
تختلف هذه العمليات عن التحويلات المصرفية التقليدية، إذ قد تكون المبالغ صغيرة لكنها متكررة، بينما يتوزع المتبرعون على دول مختلفة، وتستخدم حسابات بأسماء مستعارة مع تغيير مستمر لعناوين المحافظ الرقمية، فضلاً عن تقنيات التشفير المستخدمة في منصات تداول الأصول الرقمية.
كما يمكن استغلال البث المباشر، والإكراميات، والمتاجر المدمجة لإخفاء التمويل تحت غطاء نشاط تجاري مشروع أو دعم لمحتوى رقمي، في حين يكون الهدف الحقيقي تمويل أنشطة إرهابية أو شبكات إجرامية عابرة للحدود.

 

معيار تشريعي قائم على الوظيفة
يرتبط أحد أبرز أوجه القصور التشريعي بالاعتماد على الشكل القانوني للمنصة بدلاً من وظائفها الفعلية. لذلك، ينبغي اعتماد معيارٍ تنظيمي يقوم على أن كل منصة تدير الأموال، أو تسهّل تحويلها، أو توفر محافظ وصائية، أو تقدم خدمات أصول افتراضية، تخضع - في حدود هذه الأنشطة - لالتزامات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما لا ينبغي أن يكون التعاقد مع مقدم خدمة دفع خارجي سبباً لإعفاء المنصة من المسؤولية، بل يجب أن يحدد القانون بوضوح مسؤوليات كل من المنصة، ومقدم خدمة الدفع، والمؤسسة المالية، بما يشمل التحقق من هوية العملاء، ومراقبة المعاملات، وحفظ السجلات، والإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة.

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي  (جيميناي)

 

تطوير أدوات رقابية تتناسب مع البيئة الرقمية
لم تعد مؤشرات الاشتباه التقليدية كافية، بل ينبغي إلزام المنصات تطوير مؤشرات إنذار تتناسب مع طبيعة البيئة الرقمية، مثل التبرعات المجهرية المتكررة، والانتقال المنظم من منصة عامة إلى تطبيقات مشفرة، والاستخدام المتكرر لرموز الاستجابة السريعة، والتغيير المستمر لعناوين المحافظ الرقمية، والارتباط بين المحتوى التحريضي وحملات جمع الأموال.
كما يتطلب الأمر إطاراً قانونياً يضمن الحفظ السريع للأدلة الرقمية، ويوفر قنوات اتصالٍ مباشرة بين المنصات ووحدات الاستخبارات المالية وجهات إنفاذ القانون، لأن أي تأخير في حفظ البيانات قد يؤدي إلى فقدان مسارٍ مالي كامل.

وفي الوقت نفسه، ينبغي إدراج مخاطر المنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي، والتمويل اللامركزي ضمن التقييمات الوطنية للمخاطر، باعتبارها تحديات مالية وأمنية مترابطة، وليست مجرد قضايا تقنية.

 

الخلاصة
لا يتمثل التحدي في فرض رقابة عامة على التواصل الرقمي، وإنما في إخضاع الوظائف المالية للقواعد المنظِّمة للأنشطة المالية، بغض النظر عن طبيعة الجهة التي تقدمها. فالمنصة التي تؤدي عملياً دوراً مشابهاً للبنك أو لشركة الدفع لا ينبغي أن تبقى خارج نطاق الرقابة لمجرد أنها بدأت كشركة تكنولوجيا أو منصة للتواصل الاجتماعي، لأن معيار التنظيم يجب أن يكون الوظيفة الاقتصادية التي تمارسها، لا الوصف القانوني الذي تحمله.

 

*المستشار القانوني والاجتماعي والخبير في القانون الدولي، والباحث في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية