الردميات بعد الحروب: كيف تُعيد الأنقاض تشكيل المدن والذاكرة والسلطة؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

فالردميات ليست مجرّد بقايا إسمنت وحديد، بل تحمل في داخلها تاريخ الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية والسياسية. ولهذا، غالباً ما تتحوّل إدارة الأنقاض إلى أول فعل من أفعال التخطيط الحضري والسياسي، حيث يصبح التحكّم بعملية إعادة الإعمار جزءاً من إعادة تعريف هويّة المدينة واقتصادها وجغرافيتها ومستقبلها.

الردميات كمورد لإعادة البناء

أظهرت تجارب تاريخية عديدة أن الردميات لا تبقى مجرّد عبء يجب التخلّص منه، بل تتحوّل أحياناً إلى مورد حيوي خلال مراحل إعادة الإعمار، خصوصاً في ظل نقص المواد الأولية وانهيار البنى الاقتصادية.

بعد الحرب العالمية الثانية، واجهت المدن الألمانية مئات ملايين الأمتار المكعبة من الأنقاض. وفي ظلّ غياب اليد العاملة والآليات الثقيلة، برز دور "نساء الركام" (Trümmerfrauen) اللواتي قمن يدوياً بإزالة الأنقاض وفرز الحديد والمواد القابلة لإعادة الاستخدام. واستُخدمت هذه الردميات في البناء وردم الحُفر الناتجة عن القصف أو لإنشاء تلال اصطناعية عُرفت باسم "جبال الردم" (Schuttberge)، مثل تلة "توفلسبرغ" في برلين.

 

أما في وارسو بين عامي 1945 و1949، فقد تحوّلت الردميات إلى المادّة الأساسية لإعادة بناء العاصمة البولندية بعدما غطّت المدينة ملايين الأمتار المكعبة من الأنقاض. عمل السكان على استعادة الطوب وإنتاج قوالب إسمنتية من الردميات، في واحد من أبرز تطبيقات إعادة التدوير الحضري في القرن العشرين. وطوّر المهندسون البولنديون دراسات لاحتساب الطاقة التي يتم توفيرها من خلال إعادة استخدام المواد القديمة بدل تصنيع مواد جديدة.

 

وفي الحروب المعاصرة، من السودان إلى أوكرانيا، أصبحت إعادة تدوير الخرسانة ضرورة عملية بسبب نقص المواد وصعوبة النقل. وتشير تقديرات مرتبطة بإعادة إعمار أوكرانيا إلى أن ملايين الأمتار المكعبة من الخرسانة الناتجة عن المباني المدمّرة قد تتحوّل إلى مصدر أساسي لمواد البناء وتخفيف الضغط على سلاسل الإمداد.

 

الردميات بين الذاكرة والنسيان

لا تتعامل كل المجتمعات مع آثار الحرب بالطريقة نفسها. فبعضها يختار الإبقاء على جزء من الدمار كشاهد على المأساة، فيما تسعى مجتمعات أخرى إلى إزالة كل أثر للحرب باعتبار ذلك شرطاً لبداية جديدة.

 

في هيروشيما، جرى الحفاظ على "قبّة القنبلة الذرية" كنصب دائم يذكّر بهول الحرب النووية. وفي وارسو، لا تزال "تلّة انتفاضة وارسو" قائمة حتى اليوم، وهي مساحة تذكارية وحديقة عامة بُنيت بالكامل من ردميات ما بعد الحرب.

 

في المقابل، تلجأ بعض الدول إلى إزالة كل آثار الدمار بهدف صناعة صورة جديدة للمدينة، وهو ما قد يؤدّي إلى ما يصفه بعض الباحثين بـ"المحو المكاني"، حيث تختفي البنية الاجتماعية والمعمارية التي كانت قائمة قبل الحرب. وفي مدن أوروبية مثل فيينا، ظهرت مقاربات تحاول الموازنة بين الحداثة والحفاظ على الذاكرة، من خلال إعادة استخدام عناصر معمارية تاريخية داخل مشاريع عمرانية جديدة بما يحفظ جزءاً من الحمولة الرمزية للمكان.

 

التحدّيات البيئية والإنسانية

الردميات الحديثة ليست مجرّد حجارة مكسّرة، بل مزيج معقّد من المواد الخطرة والمخلّفات البشرية والعسكرية. فهي غالباً ما تحتوي على الأسبستوس والرصاص والمعادن الثقيلة، خصوصاً في الأبنية التي تعرّضت لحرائق أو انفجارات ضخمة، ما يؤدي أيضاً إلى إضعاف البنية الداخلية للخرسانة وإطلاق ملوّثات سامة في الهواء والتربة. وتختلط الأنقاض، في كثير من الأحيان، بذخائر غير منفجرة وعبوات ناسفة، ما يجعل عمليات الإزالة شديدة الخطورة ويتطلّب استخدام تقنيات متقدّمة للكشف والتفكيك.

الى جانب ذلك، تخفي الردميات أحياناً رفاتاً بشرياً ومقتنيات شخصية ووثائق وأرشيفات، وبعد كوارث كبرى، مثل زلزال نيبال عام 2015، استدعت عمليات البحث تحت الأنقاض اعتماد بروتوكولات دقيقة لانتشال الجثامين والتعرّف إلى الضحايا وحفظ المقتنيات الشخصية، إضافة إلى معالجة ملفات المفقودين وما يرتبط بها من قضايا قانونية واجتماعية.

 

إعادة الإعمار كأداة سياسية

غالباً ما تتحوّل عملية إزالة الردميات وإعادة الإعمار إلى وسيلة لإنتاج أنظمة جديدة على المستويين السياسي والاجتماعي. ففي سراييفو، جرت عملية إعادة الإعمار بعد الحرب ضمن إطار واسع من التمويل والإشراف الدوليين، في ظل النظام السياسي الذي أفرزته اتفاقات ما بعد الحرب. ورغم نجاح هذه العملية في إعادة بناء أجزاء واسعة من المدينة والبنية التحتية، فإنها أسهمت أيضاً، بصورة غير مباشرة، في تكريس بعض الانقسامات السياسية والإدارية التي خلّفتها الحرب.

 

في المقابل، ظهرت نماذج أخرى تُعرف بـ"إعادة الإعمار بقيادة السكان"، كما في كشمير بعد زلزال عام 2005، حيث مُنح السكان المتضرّرون دوراً أساسياً في إعادة بناء منازلهم وأحيائهم، بدعم تقني ومالي من الدولة والمنظمات الدولية. ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره أقل كلفة وأكثر قدرة على ترميم النسيج الاجتماعي، مقارنة بالنماذج المركزية التي قد تتحوّل فيها إعادة الإعمار إلى أداة للسيطرة السياسية أو لإعادة توزيع الملكيات والسكان.

 

تكشف الردميات بعد الحروب والكوارث أن ما يُزال من المدن ليس مجرّد حجارة، بل طبقات كاملة من الذاكرة والتاريخ والحياة. لذلك، يصبح أسلوب التعامل مع الأنقاض، في كثير من الأحيان، مرآة للطريقة التي تريد بها المجتمعات أن تتذكّر الحرب… أو أن تنساها.

إزالة الردم بعد الحروب فعلٌ تأسيسي يتجاوز البعد اللوجستي إلى إعادة تشكيل المجتمع والمدينة والذاكرة الجماعية. ففي اللحظة التي تتوقف فيها المعارك، تبدأ معركة أخرى لا تقلّ أهمية. كيف يمكن إعادة بناء المكان؟ ماذا يُزال؟ ماذا يُحفظ؟ ومن يملك حقّ رسم صورة المدينة الجديدة؟

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية