الذين يبنون الأوطان لا يرحلون
يغادر الرجال، لكن آثارهم تبقى شاهدة على ما صنعوه في حياة شعوبهم.
وبرحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير الوالد، إلى دار البقاء، تطوي قطر صفحة من أهم صفحات تاريخها الحديث، وتودع أحد أبرز الذين أسهموا في نقلها من دولة فتية تعتمد على مواردها الطبيعية إلى دولة تمتلك مؤسسات فاعلة ورؤية واضحة للمستقبل. لم يكن العمر الذي رحل فيه متقدماً بالمعايير المعاصرة، إلا أن معاناته مع المرض انتهت إلى رحمة الله، وبقي ما أنجزه حاضراً في ذاكرة القطريين وفي سجل المنطقة.
يصعب الحديث عن التجربة القطرية الحديثة دون التوقف عند المرحلة التي قادها الشيخ حمد. من عام 1995 حتى عام 2013، كان التحول الكبير في حوالى عقدين من الزمان؛ ففي تلك السنوات لم يكن الهدف تشييد المباني أو توسيع الطرق أو إقامة المرافق العامة على أهميتها للدولة فحسب، بل كان المشروع أوسع من ذلك بكثير؛ فقد أدرك مبكراً أن الدول لا تقاس بارتفاع الأبراج وحدها، وإنما بما تستثمره في الإنسان، تعليماً وتأهيلاً وإعداداً للمستقبل. لذلك سارت عملية بناء الحجر جنباً إلى جنب مع بناء البشر، وهي معادلة لا تنجح إلا إذا توافرت لها إرادة سياسية صلبة تؤمن بأن التنمية مشروع متكامل، يحتاج إلى جهد استثنائي لا يقتصر على الاقتصاد.
وكان لي شخصياً شرف لقائه والحديث معه مباشرة في أكثر من مناسبة. خرجت بانطباع يصعب أن ينساه من يقترب منه؛ فقد جمع بين روح مرحة تبعث على الارتياح، وبين طموح واسع لبلده ولمنطقة الخليج عموماً. كان يتحدث بثقة، لكنه ينصت باهتمام، ويبحث عن الأفكار الجديدة، ويؤمن بأن المستقبل لا يُبنى بالتردد، بل بالاستعداد الدائم للتغيير.
ومن أبرز ما يذكر له اهتمامه بالمؤسسات العلمية والبحثية. فقد عمل على إقامة شراكات مع جامعات ومراكز أبحاث عالمية، إيماناً بأن المعرفة أصبحت المورد الأكثر قيمة في العصر الحديث. ولم تكن تلك المبادرات مجرد مشروعات تعليمية، بل كانت استثماراً طويل الأمد في تكوين أجيال قادرة على المنافسة والإبداع، وربط قطر بالحركة العلمية العالمية.
كما شهد عهده انطلاق سلسلة من المؤتمرات والمنتديات الدولية التي استضافت قادة وسياسيين وخبراء من مختلف أنحاء العالم. وما ميز تلك اللقاءات أنها لم تكن مناسبات بروتوكولية مغلقة، بل منصات للنقاش الحر وتبادل الآراء حول القضايا الدولية والإقليمية، وهو ما منح المشاركين فرصة لفهم أعمق للتحديات المشتركة، ورسخ حضور قطر مركزاً للحوار.
في موازاة ذلك، جرى بناء جهاز تنفيذي حديث للدولة، وتطوير مؤسساتها الإدارية، وتعزيز جهازها الديبلوماسي، حتى أصبح حاضراً في كثير من الملفات الإقليمية والدولية.
واستطاعت قطر، عبر سياسة نشطة، أن تؤدي أدوار الوساطة في عدد من النزاعات، مستفيدة من شبكة واسعة من العلاقات والثقة التي بنتها مع أطراف متعددة. اقتصادياً، وُظفت الثروة الوطنية في تأسيس منظومة استثمارية خارجية ذات حضور عالمي، هدفت إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاستقرار المالي للأجيال المقبلة. وفي الداخل، انعكس ذلك على توسع الخدمات العامة، وارتفاع مستوى البنية الصحية والتعليمية، وتحسين جودة الحياة للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
لا يخلو أيّ عهد من اجتهادات يختلف الناس في تقييم بعضها، لكن ما يبقى في النهاية هو حجم الأثر الذي يتركه القادة في مسيرة أوطانهم. والشيخ حمد بن خليفة ترك بصمة واضحة في تاريخ قطر الحديث، وأسهم في ترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية، وفتح أمامها آفاقاً جديدة في التنمية والتعليم والديبلوماسية.
رحم الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه جنانه، وألهم أسرته الكريمة والشعب القطري الكريم الصبر والسلوان. وستظل الأعمال التي أنجزها، والمؤسسات التي أسسها، والأفكار التي تبناها، جزءاً من ذاكرة قطر الحديثة، وشاهداً على مرحلة مهمة كان فيها الإيمان بالمستقبل والإنسان هو المحرك الأول للبناء.