الذكاء الاصطناعي يهدد الدولة الحديثة.. هل تدخل الحكومات عصر أزمة ضريبية؟

بينما ينشغل العالم بالنقاشات الدائرة حول المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، من فقدان الوظائف إلى هيمنة الآلات على بعض جوانب الحياة، يرى عدد متزايد من الاقتصاديين أن التهديد الأكبر قد لا يتمثل في التكنولوجيا نفسها، وإنما في قدرتها على تقويض أحد أهم مصادر تمويل الدول الحديثة، وهو ضريبة الدخل، إذ يحذر تقرير نشرته وكالة “بلومبرغ” من أن الحكومات التي بنت أنظمتها المالية على فرض الضرائب على العمال والأجور قد تجد نفسها أمام أزمة غير مسبوقة إذا نجح الذكاء الاصطناعي في إحلال الآلات محل أعداد كبيرة من الموظفين خلال السنوات المقبلة، وهو سيناريو قد يهدد استقرار المالية العامة ويعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.

وينطلق التقرير من اجتماع مغلق عقده صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن خلال ديسمبر الماضي، شارك فيه خمسون خبيراً في الاقتصاد والتكنولوجيا من مؤسسات بارزة، بينها «غوغل ديب مايند» ومؤسسة «راند» ومجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث ناقش المشاركون، وفق قاعدة “تشاتام هاوس” التي تمنع نسبة الآراء إلى أصحابها، السيناريوهات المحتملة لتأثير الذكاء الاصطناعي على الأنظمة الضريبية والإنفاق الحكومي والنمو الاقتصادي، ولم يكن السؤال الرئيس ما إذا كانت التكنولوجيا ستغير سوق العمل، بل كيف ستتمكن الحكومات من تمويل نفسها إذا تقلص عدد دافعي الضرائب من العاملين.

ويشير التقرير إلى أن الدول الحديثة اعتمدت منذ الثورة الصناعية الأولى على فرض الضرائب على الأجور والدخول الفردية، بعدما انتقل ملايين الأشخاص من الزراعة إلى العمل المأجور، وأصبحت الحكومات تعتمد بصورة كبيرة على هذه الإيرادات لتمويل الخدمات العامة، وتظهر بيانات مؤسسة “راند” أن نحو 66 في المائة من الإيرادات الفيدرالية الأمريكية عام 2024 جاءت من ضرائب الدخل أو الضرائب المرتبطة مباشرة بالأجور، بينما تشكل ضريبة الدخل الفردي في أستراليا نحو نصف الإيرادات الحكومية، وهو ما يجعل أي تراجع واسع في العمالة تهديداً مباشراً للاستقرار المالي للدول.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في بدايات انتشاره، فإن بوادر التحول بدأت تظهر بالفعل داخل قطاعات تعتمد على الوظائف المكتبية، فقد أعلنت مؤسسات مالية وتقنية كبرى خططاً للاستفادة من الأنظمة الذكية في تنفيذ أعمال كان يقوم بها موظفون، كما خلصت دراسة أجرتها شركة «أنثروبيك» إلى أن البرمجة، التي كانت حتى وقت قريب تعد من أكثر المهن أماناً، أصبحت من أكثر الوظائف تعرضاً للتأثر بالذكاء الاصطناعي، وهو تحول يطال وظائف تتميز برواتب مرتفعة، ما يعني أن خسارة عدد محدود منها قد تؤدي إلى انخفاض كبير في حصيلة الضرائب الحكومية.

ويحذر التقرير من أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع معدلات البطالة، وإنما أيضاً في تراجع الإيرادات العامة بالتزامن مع زيادة الإنفاق الحكومي، إذ ستجد الدول نفسها مطالبة بتمويل إعانات البطالة، وبرامج إعادة التأهيل المهني، والخدمات الاجتماعية والأمنية، في وقت تتقلص فيه مواردها المالية، وهو وضع قد يؤدي إلى سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي، وربما يهدد قدرة بعض الحكومات على أداء وظائفها الأساسية.

ويستعيد التقرير تجربة الثورة الصناعية في أوروبا، موضحاً أن التحولات الاقتصادية الكبرى لم تؤد تلقائياً إلى تحسين أوضاع السكان، فقد شهدت العقود الأولى من القرن التاسع عشر ارتفاعاً في الإنتاجية، بينما بقيت الأجور راكدة وتدهورت الظروف المعيشية لكثير من العمال، وهي المرحلة التي وصفها المؤرخ الاقتصادي روبرت ألين بـ«فترة إنغلز»، نسبة إلى المفكر فريدريك إنغلز، إذ سبقت المكاسب الاقتصادية الكبرى سنوات من الاضطرابات الاجتماعية والثورات التي اجتاحت القارة الأوروبية عام 1848، ويرى التقرير أن العالم قد يواجه مرحلة مشابهة إذا سبقت سرعة انتشار الذكاء الاصطناعي قدرة المجتمعات على التكيف معه.

ويؤكد وزير الدولة السنغافوري ألفين تان، الذي استشهد به التقرير، أن هذه القضية تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه الحكومات اليوم، مشيراً إلى أن بلاده خصصت مئات الملايين من الدولارات لإعادة تدريب العاملين وإعدادهم لوظائف المستقبل، غير أن أحداً لا يستطيع حتى الآن تحديد المهارات التي ستكون الأكثر طلباً بعد سنوات، وهو ما يزيد من صعوبة التخطيط الاقتصادي والتعليمي.

وتناقش الدراسة سيناريوهين رئيسيين، أولهما انتشار تدريجي للذكاء الاصطناعي بسبب القيود التنظيمية والاعتراضات الاجتماعية، وثانيهما انتشار سريع تهيمن فيه شركات التكنولوجيا الكبرى على الخدمات الذكية، مع تراجع دور الإنسان في تنفيذ عدد متزايد من المهام، وفي هذا السيناريو تصبح أزمة الإيرادات الضريبية أكثر حدة، خاصة في الدول التي تستهلك تقنيات الذكاء الاصطناعي ولا تنتجها، وهو وضع قد ينطبق على معظم اقتصادات العالم باستثناء الولايات المتحدة والصين، اللتين تهيمنان على تطوير هذه التقنيات.

وللتعامل مع هذا الاحتمال، يناقش التقرير عدداً من المقترحات التي قدمها اقتصاديون وباحثون، من بينها رفع الضرائب على الثروات، وزيادة الضرائب على الاستهلاك، ورفع الضرائب على الشركات، أو فرض ضرائب مباشرة على استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي وقدرات الحوسبة، بهدف تعويض التراجع المتوقع في حصيلة ضرائب الدخل، غير أن معظم هذه الحلول تواجه تحديات سياسية واقتصادية كبيرة، إذ يصعب تمرير زيادات ضريبية واسعة في كثير من الديمقراطيات، كما أن الشركات متعددة الجنسيات تستطيع نقل أنشطتها أو أرباحها إلى ولايات قضائية منخفضة الضرائب.

ويشير التقرير إلى أن بعض الباحثين اقترحوا فرض ما يعرف بـ”ضريبة رموز الذكاء الاصطناعي”، بحيث تُحصَّل الرسوم من الشركات التي تقدم خدمات النماذج الذكية وفق حجم استخدامها، ثم توزع الإيرادات على الدول المعنية، إلا أن تطبيق مثل هذا النظام يتطلب اتفاقاً دولياً واسعاً، يشمل الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن آليات رقابية معقدة تمنع التهرب الضريبي أو نقل الخدمات إلى دول لا تطبق هذه الرسوم.

وفي المقابل، يسلط التقرير الضوء على تجارب بدأت بعض الدول في تطويرها استعداداً لهذا التحول، إذ تواصل سنغافورة بناء احتياطيات مالية ضخمة، وتشجع الشركات العالمية على الاستثمار داخل أراضيها، بالتوازي مع برامج واسعة لإعادة تأهيل العاملين، كما أعلنت الحكومة توفير أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة مجاناً للمواطنين المسجلين في برامج تدريب معتمدة، بهدف تسريع اندماجهم في الاقتصاد الجديد، بينما اختارت السويد توسيع الإنفاق على الخدمات العامة مثل التعليم والرعاية الصحية ورعاية الأطفال، بدلاً من زيادة التحويلات النقدية المباشرة، بما يضمن استمرار مشاركة الأفراد في سوق العمل وتخفيف الضغوط على المالية العامة.

ويخلص التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد موجة تكنولوجية جديدة، بل تحولاً اقتصادياً شاملاً قد يعيد صياغة العلاقة بين الدولة وسوق العمل والضرائب، وهو ما دفع صندوق النقد الدولي إلى الدعوة لتطوير أدوات جديدة تتيح مراقبة تأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف والإنتاجية بصورة لحظية، حتى تتمكن الحكومات والبنوك المركزية والهيئات التنظيمية من التدخل بسرعة إذا بدأت آثار التحول في الظهور، مؤكداً أن المكاسب الاقتصادية المحتملة لهذه التكنولوجيا كبيرة، غير أن مرحلة الانتقال ستكون حاسمة، وأن نجاحها سيتوقف على قدرة الدول على حماية التماسك الاجتماعي، وتحديث أنظمتها الضريبية، والتعاون فيما بينها لتجنب أزمة مالية قد تتجاوز آثارها حدود الاقتصادات الوطنية إلى النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.

The post الذكاء الاصطناعي يهدد الدولة الحديثة.. هل تدخل الحكومات عصر أزمة ضريبية؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress