الذكاء الاصطناعي في القضاء: الأنواع والاستخدامات والمخاطر القانونية
د. إسلام محمد سرور*
يُعدّ اختزال الذكاء الاصطناعي في القضاء بوصفه تقنية من أكثر التصورات شيوعاً، لكنه أيضاً من أكثرها تضليلاً. فمصطلح "الذكاء الاصطناعي" لا يشير إلى نظام موحد يمتلك قدرات متجانسة، بل إلى مجموعة واسعة من التقنيات التي تختلف في آليات عملها، ومستوى استقلاليتها، وطبيعة المخاطر القانونية والأخلاقية التي قد تترتب على استخدامها.
ومن هنا، فإن أي نقاش جاد حول العدالة الرقمية يجب أن يبدأ بالتمييز بين هذه الأنواع، لأن إخضاعها جميعاً للإطار التنظيمي نفسه قد يؤدي إلى سياساتٍ غير دقيقة، وربما إلى تقويض الثقة في المنظومة القضائية.
يمكن، من الناحية العملية، تصنيف الأدوات المستخدمة في القضاء إلى ثلاث فئات رئيسية: الأولى الأنظمة المعتمدة على القواعد (Rules-Based AI)، وهي في حقيقتها ليست أنظمة "تفكر" أو "تتعلم"، وإنما تنفذ تعليمات محددة مسبقاً وفق منطق برمجي ثابت.
وتدخل ضمن هذه الفئة تطبيقات إدارة الدعاوى، وتنظيم الملفات الإلكترونية، والتوقيعات الرقمية، وإدارة المواعيد والإجراءات القضائية. وتمتاز هذه الأنظمة بأنها حتمية (Deterministic)، أي إن المدخلات المتطابقة تقود دائماً إلى النتائج نفسها، الأمر الذي يجعل مخاطرها القانونية محدودة نسبياً، لأنها تؤدي وظائف إدارية أكثر من كونها وظائف تحليلية.
أما الفئة الثانية فهي الذكاء الاصطناعي التنبؤي (Predictive AI)، الذي يعتمد على تحليل البيانات التاريخية لاستخراج الأنماط وتوليد تقديرات إحصائية.
ويمكن توظيفه في تقدير مدة التقاضي، أو تحليل اتجاهات الأحكام، أو دعم تقييم المخاطر في بعض القضايا الجنائية، أو تقدير احتمالية عدم حضور المتهم للمحاكمة.
ومع ذلك، فإن هذه الأنظمة لا "تتنبأ بالمستقبل" بالمعنى الحرفي، بل تقدم احتمالات مبنية على البيانات المتاحة، وهو ما يفرض التعامل معها بوصفها أدوات مساعدة للقاضي، لا بديلاًمن سلطته التقديرية أو استقلاله في إصدار الحكم، وضرورة ضمان الشفافية في التعرف على البيانات التي تم تدريبها عليها ومنطقها في النتائج التنبؤية ووجود آلية لمراجعتها بحيث أن تقديمها نتائج احتمالية خاضعة للمراجعة لا يعني إعفائها من ضوابط الشفافية وقابلية التفسير اللازمة في العمل القضائي حرصاً على مقتضيات العدالة.
الفئة الثالثة وهي الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، الذي تمثله النماذج اللغوية الكبيرة مثل ChatGPT وClaude وغيرها.
وتتميز هذه النماذج بقدرتها على إعداد مسودات الأحكام، وتلخيص الإفادات، وترجمة الوثائق القانونية، وتنظيم كميات ضخمة من المستندات، وإجراء بحوث قانونية أولية.
غير أن هذه القدرات يقابلها تحدٍ جوهري يتمثل في ظاهرة "الهلوسة" (Hallucinations)، إذ قد تنتج النماذج مراجع أو سوابق قضائية أو نصوصاً قانونية تبدو صحيحة من الناحية اللغوية، لكن لا وجود لها في الواقع.
ولهذا السبب، فإن الاعتماد على مخرجاتها من دون تحقق قانوني دقيق قد يؤدي إلى أخطاء تمس سلامة العدالة نفسها.

في تقديري، لا يكمن الفارق الحقيقي بين هذه الأنظمة في درجة تعقيدها التقني، وإنما في مستوى الاستقلالية الذي تتمتع به عند تنفيذ المهمات. فكلما ازدادت قدرة النظام على إنتاج محتوى أو تقديم توصيات أو اتخاذ خطوات بصورة مستقلة، ازدادت الحاجة إلى الإشراف البشري، والشفافية، وقابلية التفسير، وآليات المساءلة القانونية.
وهذا التوجه لا يمثل مجرد رأي تقني، بل ينسجم مع المبادئ التي تتبناها الأطر التنظيمية الحديثة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمها التشريعات الأوروبية والإرشادات الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل القضائي الصادرة عن UNESCO.
إن مستقبل العدالة الرقمية لن يُقاس بعدد تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تعتمدها المحاكم، بل بقدرة المؤسسات القضائية على اختيار الأداة المناسبة لكل وظيفة، ووضع الضمانات التي تكفل بقاء القرار القضائي إنسانياً مستقلاً، يستفيد من التكنولوجيا من دون أن يخضع لها، قابلاً للمراجعة، غير مخلٍ بمبادئ القضاء و تحقيق العدالة وحقوق المتقاضين الأساسية.
*المستشار القانوني والاجتماعي والخبير في القانون الدولي، والباحث في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.