الذكاء الاصطناعي الوكيل يساعد أمًّا في إدارة شؤون أسرتها.. ماذا كشفت التجربة؟
مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد دورها يقتصر على الإجابة عن الأسئلة أو كتابة النصوص، فهي تتوسع لتصبح قادرة على تنفيذ المهمات واتخاذ القرارات بشكل مستقلّ. ويُعرف هذا التوجه باسم "الذكاء الاصطناعي الوكيل"، حيث تعمل أنظمة ذكية كمساعدين قادرين على التخطيط والتنفيذ والتفاعل مع البيئة المحيطة من دون تدخّل بشريّ مستمر. وفي الوقت الذي تتسابق فيه الشركات لتطوير هذه التقنيات، بدأت تظهر تجارب فردية تختبر مدى إمكانية الاعتماد عليها في إدارة تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك شؤون الأسرة.
إدارة المنزل بالتفويض... ولكن للذكاء الاصطناعي
من بين هذه التجارب، تبرز قصة جيسي جينيت، المؤسسة السابقة لإحدى الشركات الناشئة، والأم لسبعة أطفال، والتي حوّلت الذكاء الاصطناعي إلى طاقم افتراضي يدير جزءاً كبيراً من حياتها المنزلية.
بحسب تقرير نشرته مجلة نيويورك، تعتمد جينيت على مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي، من بينهم مساعد رقميّ يحمل اسم "كلير"، يتولى تنفيذ العديد من المهمات اليومية، مثل قراءة جدول مواعيدها، وطلب البقالة تلقائياً، وشراء الاحتياجات عبر الإنترنت، وإدارة برنامج التعليم المنزلي لأطفالها، بل حتى تطوير تطبيقات مخصّصة عند الحاجة.
تعمل هذه الأنظمة على مجموعة من أجهزة "Mac mini" و"Mac Studio" الموجودة داخل منزلها الريفيّ في ولاية كاليفورنيا، مع اعتماد متزايد على نماذج ذكاء اصطناعي تعمل محلياً بدلاً من الاتصال المستمر بالخوادم السحابية. وتقول جينيت إن هذا الخيار يمنحها مزيداً من الخصوصية، إذ تبقى بيانات عائلتها داخل المنزل، كما يقلّل من اعتمادها على الشركات المزوّدة للخدمة.
ورغم الفوائد التي حققتها هذه التجربة، فإنها لم تخلُ من الأخطاء. ففي إحدى المرات، أساء أحد الوكلاء فهم تعليماتها بشأن إرسال رسالة بريد إلكتروني، فأرسلها بالنيابة عنها رغم أنها كانت قد وضعت قاعدة تمنع النظام من انتحال شخصيتها في المراسلات. على إثر ذلك، قامت بإلغاء صلاحية هذا الوكيل للوصول إلى بريدها الإلكتروني. لكنها - مع ذلك - تؤكّد أن مثل هذه الحوادث تبقى استثناءً، وأن أداء المساعدين الرقميين كان في معظم الأحيان فعّالاً وساعدها على توفير الوقت وتقليل الأعباء اليومية.
من سيستفيد أولاً؟
تُعدّ تجربة جيسي جينيت مثالاً مبكراً على التحول الذي يشهده الذكاء الاصطناعي، من أدوات تقدّم المساعدة عند الطلب إلى "وكلاء" قادرين على إدارة المهمات واتخاذ قرارات وتنفيذها بصورة شبه مستقلّة. ويرى خبراء التقنية أن هذا النموذج قد يصبح أكثر انتشاراً خلال السنوات المقبلة، مع تطور قدرات النماذج الذكية وانخفاض تكلفتها، ليطال مجالات تمتد من إدارة المنازل والتعليم والرعاية الصحية إلى الأعمال والخدمات الحكومية.
لكن التجربة تتجاوز حدود إدارة المنزل لتثير سؤالاً أوسع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي في المجتمع. فإذا أصبح هؤلاء "الموظفون الرقميون" منخفضي التكلفة ومتاحين للجميع، فمن سيستفيد منهم أولاً؟ وهل سيساهمون في تقليص الفجوات بين الناس أم في تعميقها؟
وتفتح هذه التساؤلات الباب أيضاً أمام تحديات متزايدة بدأت تحظى باهتمام الجهات التنظيمية والباحثين. وفي هذا السياق، يشير تقرير Emerging Technology Horizon Scan 2026 الصادر عن هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) إلى أن انتشار هذه التقنيات يرافقه تحديات تتعلق بحماية الخصوصية وأمن البيانات، والحفاظ على استقلالية المستخدم مع تزايد دور وكلاء الذكاء الاصطناعي في تنفيذ بعض القرارات، إلى جانب مخاطر الاحتيال الرقمي، واحتمال اتساع الفجوة الرقمية نتيجة عدم تكافؤ الوصول إلى هذه التقنيات.
وبين التفاؤل بقدرات الذكاء الاصطناعي والقلق من تداعياته، تبدو تجربة هذه الأسرة مؤشراً إلى مستقبل قد يصبح فيه وجود "مساعدين رقميين"، يديرون تفاصيل الحياة اليومية، أمراً اعتيادياً. لكن نجاح هذا التحول سيعتمد في النهاية على كيفية تطوير هذه الأنظمة، ووضع الأطر التنظيمية والأخلاقية التي تضمن أن يبقى الإنسان صاحب القرار، فيما يؤدّي الذكاء الاصطناعي دور الأداة المساندة لا البديل.
