الديموقراطية الأميركية: هل يصمد العقد الاجتماعي؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في لحظة يبدو فيها النظام السياسي الأميركي مشدوداً بين أقطاب تمزقه - شعبوية صاعدة ومؤسسات آيلة إلى الاهتزاز، ويسار فقد مراجعه وصوابه - يُطرح السؤال: أما زالت الولايات المتحدة تملك المقومات الفعلية لما تدّعيه من ديموقراطية وحرية ودستورية؟ ليس الجواب ثنائياً، إنما هو جدل متواصل في صميم الهوية الأميركية ذاتها.

نص مقدّس أم سلاح سياسي؟

لا يوجد في العالم الغربي شعب يكنّ لوثيقته الدستورية ما يكنّه الأميركيون لدستورهم الصادر في 1787. إنه في وجدانهم الجمعي أقرب إلى الكتاب المقدس! غير أن هذا الإجلال الظاهر يُخفي توتراً عميقاً: فمثل كل الكتب المقدسة، صار الدستور ساحة حرب تأويلية بامتياز.

المحكمة العليا، وكانت تُعدّ تاريخياً درع الحقوق وضامن الفصل بين السلطات، تحوّلت في العقد الأخير إلى مؤسسةٍ ذات طابع أيديولوجي صريح. قراراتها في ملفات الإجهاض والسلاح والانتخابات كشفت أن قراءة الدستور ليست علماً موضوعياً، إنما هي خيار سياسي مُتلبس بعباءة قانونية. 

مع ذلك، يبقى الدستور رابطاً رمزياً لا يُستهان به: حين يختلف الأميركيون، يتجادلون بلغته لا خارجها. وفي زمن الشعبوية، هذا مؤشر على صمود مؤسسي نسبي.


خاص النهار.


حرية الرأي: حقّ مصون أم فضاء مُختطَف؟

التعديل الأول للدستور الأميركي من أكثر المبادئ القانونية رسوخاً في التاريخ الحديث. عملياً، حرية التعبير في الولايات المتحدة أوسع فعلياً مما هي عليه في معظم الديموقراطيات الغربية؛ بل تُجيز المحاكم خطاباً لو صدر في ألمانيا أو فرنسا لأُوقف أصحابه أمام القضاء. بيد أن الحرية القانونية أمرٌ، والحرية الاجتماعية الفعلية أمرٌ آخر. 

ثمة ظاهرتان متناقضتان تضغطان في آنٍ واحد على فضاء التعبير: من جهة، وفّرت منصات التواصل الاجتماعي مكبّرات صوت لأصواتٍ كانت مُهمَّشة، لكنها أنتجت في المقابل بيئة من الرقابة الذاتية لـ"إلغاء الآخر". ومن جهة أخرى، تجرأت تيارات يمينية متشددة على نشر خطابٍ متهم بالكراهية العرقية والدينية، مستظلة التعديل الأول كدرع واقية.

معضلة الحرية الأميركية أنها صارت تعتبر الحرية خياراً وفهماً شخصياً من دون مرجعية جمعية. والمفارقة المؤلمة أن الحرية باتت تُستخدم لتقويض شروطها الجوهرية ذاتها: حرية الحقيقة، وحرية الآخر المختلف، وحرية الفضاء العام من التلوث المعلوماتي.

 

تجمع لمؤيدي ترامب أمام مبنى الكابيتول. (أ ف ب)

 

الديموقراطية: ماضٍ يُعاش أم مشروع يُبنى؟

ليس السؤال عن مستقبل الديموقراطية الأميركية ترفاً أكاديمياً، إنما هو السؤال الجيوسياسي الأكثر  إلحاحاً، ليس أميركياً فحسب، بل هو يُعيد رسم مشهد النظام الدولي برمّته.

ما كشفه الهجوم على مبنى الكونغرس أعمق من أزمة عابرة: ثمة ثلث من الأميركيين على الأقل لا يثق بنتائج العملية الانتخابية، وهذا وحده كفيل زعزعة أسس أي منظومة ديموقراطية مهما بلغ رسوخها.

غير أن المجتمع المدني الأميركي يمتلك قدرات هائلة لتجديد ذاته ذاتية لافتة؛ كما تكشف الحراكات الشعبية -الحقوق المدنية، المناخ، العدالة الاجتماعية، أن الديموقراطية الأميركية لم تكن يوماً منتجاً جاهزاً، بل ورشة دائمة للصراع.

 

الهوية الوطنية والنموذج الاقتصادي: الرابط الخفي

أكثر ما يُغفله المحللون هو الجذر الاقتصادي للوطنية الأميركية؛ إذ لا يتغذى التمسك بالهوية القومية في الولايات المتحدة في المقام الأول من الخطاب الأيديولوجي، بل من التجربة المعيشية للنموذج الاقتصادي الأميركي.

صحيح أن هذا النموذج يحمل في طياته مظالم بنيوية عميقة وهائلة: تفاوت الثروة المتفاقم، هشاشة الطبقة العاملة، محدودية شبكات الحماية الاجتماعية... إلا أنه يُتيح في الوقت ذاته منفذاً مفتاحياً حقيقياً للحراك الاجتماعي، ونموذجاً للنجاح الفردي لا مثيل له بقوته وكثافته في معظم بقاع العالم. 

الطبقة المتوسطة، والطبقة المتوسطة العليا بشكل خاص، ترى في النظام الأميركي عقداً ضمنياً حياً وفاعلاً: العمل الجاد يُفضي إلى التقدم، والطموح ليس امتيازاً وراثياً، بل هو مسار ممكن.  ورغم تشققاته الواقعية، ما دام هذا العقد الضمني قائماً في الوجدان الجمعي، يبقى الارتباط بالهوية الأميركية متيناً.

جدل بلا نهاية... وهذا ما يجعله جدلا أميركياً! 

الهوية الوطنية الأميركية مفهوم ديناميكي بامتياز، لا يتشكل بالإجماع بل بالصراع والمبارزة بين المصالح والحجج. ليس ثمة حَكَمٍ يحدد العقيدة الصحيحة ولا الخيار الأفضل، بل هي مبارزة اجتماعية حقوقية إعلامية وفكرية شعواء. 

وفي حين تتصاعد العصبيات العرقية والدينية في تيارات بعينها، تتعمق حساسية متزايدة للعدالة والمساواة في تيارات موازية. ورغم ما يحمله التوتر من مخاطر، فإن عدداً كبيراً من الأميركيين يجدونه الدليل الأوضح على أن الديموقراطية الأميركية لا تزال حية، بكل ما في الحياة من ألم وحيوية.

الدستور سلاح، والحرية سلاح، والمصالح سلاح، والعِلم سلاح، كلها أسلحة في هذه المبارزة. اما الديموقراطية فهي ساحتها المفتوحة. لذلك، يقضي الرهان - بكل تعقيداته - أن تبقى اللعبة "شغالة".

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية